7 إزالة الصورة من الطباعة

عن مرسي الذي وفى

علمتني الأحداث الأخيرة التي مرت وتمر بها بلداننا بعد أن من الله علينا بالموجة الأولى من ثورات الربيع العربي في العام 2011، أن أقيم خيارات الشخص قبل أن أحكم عليه، أي أنني أصبحت أرى من الواجب علي إذا أردت أن أحكم على شخص فعلي أن أقيم الخيارات التي كانت مطروحة أمامه، وأفكر مليا في الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا الخيار وترك غيره من الخيارات التي طرحت عليه، فإذا استطعت الوصول إلى سبب اختيار الشخص استطعت الحكم عليه.

وعندما أفكر في الخيارات التي كانت مطروحة أمام الرئيس مرسي –رحمه الله- أجد أننا كنا نقف أمام شخصا عظيما يستحق بكل جدارة تلك العواطف التي أظهرتها شعوب الأمة الإسلامية بكل تنوعاتها وأطيافها، فهذا الرجل كان من الممكن أن يموت على سرير فخم في قصر منيف بأحد ضواحي العالم الجميلة، وحوله أبنائه وأحفاده الذين لم يرى أيا منهم في الواقع، لأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم وجدهم في بطن زنزانة انفرادية لا أنيس له فيها ولا جليس، اللهم إلا كتاب الله الساكن في صدره والذي لو استطاع سجانوه أنه يسلبوه إياه لفعلوا.

يجب هنا أن تقف مع نفسك وقفة طويلة وتفكر بعمق عن السبب الذي يجعل هذا الرجل يصبر ويثبت على هذا البلاء العظيم ليس لأيام أو شهور بل لست سنوات أوهنت عظمه وأشعلت الشيب في رأسه، وليست أي سنوات بل هي السنوات الأخيرة في عمر رجل تخطى الستون عاما، وهو العمر الذي نسميه عندنا سن المعاش، والذي يحاول المرء فيه التماس أسباب الراحة والرفاهية لنفسه بعد التعب والشقاء في رحلة العمر الطويلة.

تظاهرة الحب العالمية التي فاجأت محبي الدكتور مرسي، وأثارت غيره شانئيه، وشعور الناس بقيمة التضحيات العظيمة التي قام بها هذا الرجل، هي ثمن للإخلاص الذي كشف لي هذا الموقف أنه عابر للقارات

هل من الممكن أن يكون صبر هذا الرجل وتحمله لكل هذه الضغوط عليه وعلى أسرته لشئ غير إيمانه بكل كلمة قالها، هل من الممكن أن يتحمل الرجل هذا الابتلاء العظيم لأي غرض حقير، هل خفي على رجل مثله أن الموت المحقق كان يطارده في كل لحظة من لحظات السجن الطويلة، ألم يكن واعي لكل تبعات قراره بالثبات ضد من ضرب بإرادة شعب كامل عرض الحائط، حدد هذا الرجل مصيره في اللحظة التي اتخذ فيها قرار الوفاء لكلماته التي قالها في خطابه الأخير ودفع حياته ثمنا للدفاع عما يؤمن به.

تظاهرة الحب العالمية التي فاجأت محبي الدكتور مرسي، وأثارت غيره شانئيه، وشعور الناس بقيمة التضحيات العظيمة التي قام بها هذا الرجل، هي ثمن للإخلاص الذي كشف لي هذا الموقف أنه عابر للقارات، ناهيك عن أنه يخترق أعتى الزنازين تحصينا، شعرت الجماهير بإخلاص الرجل لما يؤمن به واحترمت هذا مهما كانوا على خلاف معه في وجهة النظر أو ترتيب الأولويات.

أقول إن تظاهرة الحب التي انفجرت في وسائل التواصل الاجتماعية، وملأت المساجد في كافة أنحاء المعمورة بمن اصطفوا ليصلوا صلاة الغائب على روح الدكتور مرسي، قد أثارت غيرة الكثير ممن كانوا يزعموا أنهم من أهل العدل والإنصاف، ومنهم شيخ يعطي دروسا في الثبات على المبدأ والصبر عند المحن، فرفض حتى الدعاء للرجل بالرحمة، ولكن هذا الحدث الجلل قد كشف أن الأمل لا يزال موجودا في هذه الأمة، وأن الشباب يستطيع فرز الغث من السمين، وإن أردت دليلا على هذا فما عليك إلا أن تتبع تعليقات الناس على هذا الشيخ الذي امتنع حتى عن الترحم على الدكتور مرسى، وتقارنه بما قبله من منشورات كانت تمدح في هذا الشيخ وتؤيد جل كلامه، فتفهم أن الزلزال الذي تعرضت له منطقتنا قد غير من مفاهيم الناس وأصبحوا لا يسلموا أدمغتهم لأحد، وهذه من أهم الثمرات التي أنعم الله بها علينا من الربيع العربي، بل إن هذه الميزة تحديدا هي التي جعلت الدول التي دعمت وتدعم الثورات المضادة تدفع مليارات الدولارات للصد عن سبيل الحرية، لأن الشعوب لو فكرت فأول ما ستصل إليه هو عدم صلاحية من يحكمون للحكم، رحم الله الدكتور مرسي