الأربعاء 13 نوفمبر 2019 05:36 م

معول "ابنة الكاهن" والحفريات الأثرية في القدس الشريف

الإثنين 28 يناير 2019 08:08 ص بتوقيت القدس المحتلة

معول "ابنة الكاهن" والحفريات الأثرية في القدس الشريف
أرسل إلى صديق

خالد أبو الخير

على الرغم من قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” بقطع أية علاقة لليهود بالحرم القدسي الشريف، إلا ان الكيان الصهيوني يواصل حفرياته المدججة بالنصوص التوراتية والحقد الأعمى أسفل المسجد الأقصى، ومحيطه، وباقي مناطق القدس، بهدف الحصول على “أدلة”، تربط اليهود بالمكان.


هذه الحملة تستغل الأحداث الجارية، وضعف الموقف العربي والحروب الدائرة في بعض الدول العربية، وموقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساند لإسرائيل، لتحدي المجتمع الدولي بإطلاق أكبر عملية من نوعها، بمشاركة إسرائيلية واسعة في الحفريات التي تنفذها ما تسمى بـ”دائرة الآثار الإسرائيلية”.


وقبل فترة نقلت وسائل الاعلام الإسرائيلية تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تعهد فيها بالمشاركة الشخصية في نقل الغبار من أسفل المسجد الأقصى، داعياً “المجتمع اليهودي للانضمام إليه”.


وكان مراقبون وصفوا قرار اليونسكو الصادر في في 2016 بالصفعة على وجه دولة الاحتلال الصهيوني.
ونص القرار على أن “المسجد الأقصى/الحرم الشريف، موقع إسلامي مقدس مخصص للعبادة عند المسلمين، وأن باب الرحمة وطريق باب المغاربة والحائط الغربي للمسجد الأقصى وساحة البراق جميعها أجزاء لا تتجزأ من المسجد الأقصى/الحرم الشريف، ويجب على إسرائيل تمكين الأوقاف الإسلامية الأردنية من صيانتها وإعمارها، حسب الوضع التاريخي القائم قبل الاحتلال عام 1967”.


وضرب قرار اليونسكو على عصب حساس في عمق الفكر الصهيوني القائم على روايات توراتية، لم يوجد دليل علمي على صحتها.
وتعد حملة الحفر الإسرائيلية التي قد تهدد وجود المسجد الأقصى محاولة مستميتة للتمسك بالأساطير والخرافات، التي قام عليها أساس الفكر الصهيوني ودولته.
ووفقا لأبحاث علمية ودراسات وتنقيبات، لم يعثر على دليل واحد على صحة الروايات التوراتية المؤسسة للفكر الصهيوني.
ففي العام 1952 قامت عالمة الآثار البريطانية «كاثلين كينون»Kathleen M. Kanyon بحفريات أثرية في مدينة أريحا، وفي ذهنها ما ورد في العهد القديم عن مناعة أسوار أريحا التي سقطت على أصوات المزامير حين حاصرها يوشع بن نون.


خمس سنين من الحفر والتنقيب، أوصلت كانيون التي كان والدها رجل دين ومدير المتحف البريطاني في القدس إلى قناعة مفادها أنه لم تكن لأريحا أسوار في ذلك العهد! لأنها كانت تهدَّمت في القرن الـ 16 ق.م، أي قبل وصول يوشع اليها بقرون، وهو الذي “وصلها بحدود سنة 1195 ق.م وفق الرواية التوراتية”.
والأنكى أن اريحا لم تكن حتى في ذلك العهد ذات أسوار عظيمة كما يصفها العهد القديم، لكنها أسوار بدائية، فهي لم تكن محصنة في يوم من الأيام، على حسب قول الفيلسوف الفرنسي فولتير “فقد كانت عاصمة لشعب لا تجربة له في الميدان العسكري، وإلاَّ لما بنى عاصمته في وادٍ مفتوح، الأمر الذي أفقده إمكانية حمايتها”.


وبحسب هذه الحقائق الصادمة، وأخرى عن حفريات قامت بها كانيون بين أعوام 1961 وحتى عام 1967، وأثبتت ان أورشليم القرن العاشر ق.م على زمن النبيين داوود وسليمان كانت هي نفسها المدينة الكنعانية التي احتلها داوود، وأصبحت عاصمته ولم يجر عليها أي تحسينات من توسع أو إصلاح أسوار.
وكانت مدينة صغيرة بقياس ذلك العصر، إذ بلغت مساحتها 4.5 هكتارات، بينما نجد بعض المدن التي عاصرتها ذات مساحة تتراوح بين 60 و100 هكتار، كما كان لها سور بدائي كنعاني، ولا يمكن أن يزيد عدد سكانها على 2000 نسمة بأحسن الأحوال.
هذه الحقائق المتأتية من حقائق العلم، دفعت عالم الآثار الإسرائيلي “اوسيشكين” للقول أمام جمعية علم الآثار التوراتي في سان فرانسيسكو “إنه ليصعب على روحي الرومانسية أن تقبل بهذه الوقائع، أرجو من الملك سليمان أن يسامحني …”.
وينقل الكاتب السوري المهتم بالانثروبولوجي فراس سواح عن عالم الآثار الإسرائيلي الأستاذ في جامعة تل أبيب زائيف هيرتسوغ، في صحيفة هآرتس بتاريخ 28/11/1999 أن «الحفريات المكثفة في ارض إسرائيل خلال القرن العشرين قد أوصلتنا إلى نتائج محبطة، كل شيء مختلق ونحن لم نعثر على أي شيء يتفق والرواية التوراتية، كما أن قصص الآباء في سفر التكوين هي مجرد أساطير، ونحن لم نهبط مصر ولم نخرج منها. لم نته في صحراء سيناء ولم ندخل فلسطين بحملة عسكرية صاعقة».


ويتابع: «وأصعب هذه الأمور أن المملكة الموحدة لـداوود وسليمان، كانت في أفضل الأحوال إن وجدت مملكة قبلية صغيرة (مملكة المدينة). كما أن القلق سينتاب كل من سيعرف أن يهوه إله إسرائيل كان متزوجاً من الآلهة الكنعانية عشيرة... إني أدرك بصفتي واحداً من أبناء الشعب اليهودي وتلميذاً للمدرسة التوراتية مدى الإحباط الناجم عن الهوّة بين آمالنا وبين الواقع، واني لأحس بثقل هذا الاعتراف على كاهلي، ولكني ملتزم بالأخذ بعين الاعتبار ما توصل إليه زملائي من نقد وتفسير جديد للوقائع».


وقبل اليونسكو، نفى عالم الآثار الإسرائيلي الشهير”إسرائيل فنكلشتاين” من جامعة تل أبيب وجود أي صلة لليهود بالقدس، إذ أكد في تقرير نشرته مجلة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية بتاريخ 5-8-2011 “أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية، تدعم بعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بن نون على كنعان”، مفككا بذلك وسيلة وزعما من أخطر الوسائل والمزاعم التي تلجأ اليها الدولة الصهيونية لترويج روايتها حول “يهودية المدينة المقدسة”، وهي تلك المتعلقة بثلاثية الأساطير المؤسسة للدولة الصهيونية؛ وهي: “أرض الميعاد”، و”شعب الله المختار” و”الحق التاريخي لليهود في القدس وفلسطين”.


ويعرض البروفيسور شلومو ساند أستاذ التاريخ بجامعة تل أبيب في كتابيه «متى وكيف تم اختراع أرض إسرائيل؟»، و»متى وكيف تم اختراع الشعب اليهودي؟»، لأهم أسس الدولة العبرية ومقوماتها، ويثبت أنها قائمة على غير أساس، كما تبني عمارة على الرمال.. دون أيّ أسس معقولة أو مقبولة.


وينفي وجود شيء يسمى أرض اسرائيل في التوراة، مشيرا الى أن هذا المصطلح “يظهر على أنه أرض مملكة إسرائيل الشمالية. والقدس التي في التوراة ليست جزءا من “أرض إسرائيل”.
وتعرض ساند بسبب كتابيه وآرائه إلى حملة منظمة ضده وهدد بالقتل، لكنه يوضح أن مؤرخين وعلماء آخرين يؤيدونه في آرائه، وقال له أحدهم: «لست وحدك من يعتقد بذلك أو ابتدعه.. فقد سبقك إلى ذلك ديفيد بن غوريون نفسه!!».

المصدر: فلسطين الآن