الإثنين 26 أغسطس 2019 10:14 ص

مشغولون بإصلاح الناس.. فاشلون بإصلاح أنفسنا!

الخميس 07 فبراير 2019 04:40 م بتوقيت القدس المحتلة

مشغولون بإصلاح الناس.. فاشلون بإصلاح أنفسنا!
أرسل إلى صديق

جراح علاونة

كثيرةٌ هي الدعوات الإصلاحيّة التي يخرج بها علينا أصحاب القرار والعقول الكبيرة والمفكرين، إذ نراهم يدعون إلى القيام بها وتنفيذها ليصلُح حال هذا المجتمع، ويخرج من حالة الفوضى والتخبّط العشوائي والضياع الذي يعيش فيه.

فنرى رجال الدين يتّخذون من منابر المساجد مكانًا للدعوة والإصلاح حيث يدعون الناس للإصلاح الديني، والرجوع إلى دينهم الحنيف وشريعتهم القويمة مثيرين بذلك العاطفة الدينية لدى الناس، ومرة ثانية نرى المفكرين وأصحاب الشهادات العالية يتّخذون من الندوات والمؤتمرات منابر لدعواتهم الإصلاحيّة، وإيقاظ الناس من غفلتهم وجهلهم الذي جعلهم يعودون آلاف السنين للوراء، ومرةً ثالثةً نرى الساسة، وأصحاب المناصب يتخذون من شاشات التلفزة ومواقع التواصل منابر دعوة للإصلاح والتغيير من خلال الإشادة بضرورة إصلاح الوضع الاقتصادي والسياسي في المنطقة، والتشديد على ضرورة انصياع الشعب لقوانين الدولة وأحكامها؛ لأنها -في نظرهم- الحل الأمثل، والمخرج الشرعي من هذا التيه الذي يأخذ بالناس نحو المجهول، ومرة أخرى نرى مدربي التنمية البشرية يدعون لإصلاح الفرد، وتغيير مفاهيمه السوداوية والتمسك بالأمل والحياة، في حين يدعو رجال الأعمال لإصلاح الوضع الاقتصادي، وإلا فشلت مشاريعهم التنموية وهاجروا لاستثمار أموالهم في الخارج!

وهكذا تتعدد الدعوات وكثُر المتشدقين ليغّني كلٌ على ليلاه، دون أن يتغير شيء يذكر! ويْكأنَّ لسان حالهم يقول ما شأني والآخرين بعدما أنجو فليذهب إلى الجحيم من يذهب.. دعوات جماعية ومتتالية لتغير المجتمع دون أن تفرز عن شيء ذو قيمة، فالخلل في هذه الدعوات يكمن في أنّها غالبًا ما تغفل عن أهم ركن في التغيير الذي تسعى إليه ألا وهو الفرد.

الفرد الذي يوجه إليه هذا الخطاب الدينيّ، أو التوعويّ، أو الثقافيّ، أو السياسي، هذا الفرد الذي يشكل أساس المجتمع ولبنته الأولى، وهو الذي توجه إليه كل هذه الخطابات والكلمات الطويلة التي تبدأ بسماعها متحمسًا ثم ينتهي به الأمر نائمًا دون أن يعلم متى انتهت تلك الخطب العصماء!

يردون من الفرد أن يُصلِح، ويُغيِّر، ويُقدِّم، ويُطوِّر، ونفسه –في حد ذاتها- تحتاج من الإصلاح ما لا يعلمه إلا الله، إذ كيف لأفراد أحوالهم غير صالحة أن يقوموا بكل هذا التغيير دفعة واحدة؟! ألا إنّ أنفسهم أولى بالإصلاح والتغيير، فصلاحُها يعني صلاح المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم حجر الأساس والخطوة الأولى نحو الطريق المنشود –الإصلاح والتغيير-، هنا لا بد أن استحضر حديث الرسول -عليه السلام- إذ يقول في صلاح الفرد: "ألا إنّ في الجسد مُضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب".

فصلاح المرء كما أخبرنا رسولنا الكريم يبدأ من صلاح قلبه، ويكمن فيه، القلب إذا مال مال معه المرء وسقط في التهلُكة، وإذا اعتدل واستقام صلحت حياة المرء، وسار متبعًا خطى الحق والصواب التي رسمها له الاسلام، وصلاح القلب أول ما يكون بتقوى الله ومخافته، وخشيته فالله أحق أن تخشاه، فإذا جعلته عليك رقيبًا صلحت أعمالك ووافقت شرعه حتى وإن خالفت هواك، أضف لذلك خلوه من البغض والحقد وإضمار العداوة والسوء للآخرين، ومن هنا تبدأ خطوة الإصلاح الأولى إذ بهذا الشكل يكون الفرد سليم السريرة صالح القلب لا يشوبه أهواء ولا تحكمه مصالح.

وتأكيدًا على ما سبق لا بد من التذكير بقوله تعالى: "إنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم" فالتغير إذن يبدأ من النفس وليس من المجتمع برمته، فمجتمع تحكمه أهوائه، ويغشى قلبه الضلال، ويتفشى في حياته الفساد، ويتحايل على الدين في سبيل رضا الهوى، لن يصلح حاله ولن يتغير شيء مما حوله ولو أُمِطر كل يوم بالخطابات والنصائح والمواعظ!

إنّ التغيير الحق يتطلب منا أن نبدأ بأنفسنا أولًا وذلك بالرجوع للفطرة الأولى التي فطرنا الله عليها، مُهتدين بسنة رسوله مُتبعين نهج صحابته، وجابّبين العداوة والبغضاء خلف ظهورنا، كابحين جموح أهوائنا التي هوت بنا إلى هذا الحال وأردتنا إلى الأسفلين بعدما كنا قوم عليين نهدي الناس ونرشدهم إلى الدين والصلاح.

المصدر: وكالات