الإثنين 26 أغسطس 2019 12:39 م

كبير جاهل.. وصغير واعٍ.. من هو الناضج حقا؟

السبت 09 فبراير 2019 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

كبير جاهل.. وصغير واعٍ.. من هو الناضج حقا؟
أرسل إلى صديق

جهاد بن جراد

يختلف مفهوم النضج في علم الاجتماع وعلم النفس كل على حدة، لكن ما بين هذا وذاك لا بد أنه ثمة أساسيات وجب أن نتفق عليها. يرى علماء النفس أن النضج هو حالة من التوافق تُشير إلى اكتمال وتناغم العمل ما بين الوظائف العقليّة، والجسديّة، والفسيولوجيّة، والروحية، والاجتماعية، بصورة تمكّنه من فهم الحياة بتناقضاتها المختلفة والمعقدة، وكذلك الاستقلالية في التحكم في شؤونه واتخاذ القرارات المصيريّة المعقولة والمنطقيّة والسليمة في حياته بمعزل عن سيطرة الآخرين وتأثيرهم.

أما في علم الاجتماع والمفهوم العام فإن النضج هو التغيير الذي يمر به الكائن الحي والتطور الداخلي على تركيبة البنية العضوية أو البيولوجية، وهي أشياء تظهر على ملامح الكائن الحي بكل وضوح مثل المشي والنطق ومهارات الكتابة والقراءة، حيث أن الطفل لا يستطيع القيام بتلك المهارات إلا في حال نضجه على المستوى العصبي والعقلي والجسدي، ويستطيعون حسب اعتقادهم التفريق بين مراحل الإنسان مثل الفصل بين المراهقة والشباب، أو الشباب والكهولة..

كل هذا منطقي إلى حد ما، لكن التفسيرات العلمية التي تقول بأن من مراحل النضج مثلا هو النضج الجنسي أو ما يفسر بـ"سن البلوغ" والنضج الاجتماعي الذي يتمحور تفسيره أساسا على التكيف الاجتماعي وبناء العلاقات الاجتماعية، حقيقة لا تروق لي هذه الحقائق والتفسيرات العلمية، لذلك سأذهب بك إلى تفسيرا آخر أكثر تعقيدا.. النضج هو أكبر من مسألة عمر. هناك من هم في سن الستة سنوات من العمر وناضجين وهنالك من يبلغون من العمر ثمانون عامًا وغير ناضجين.

النضج هو مسألة كيف تعامل نفسك والآخرين، إنها الطريقة التي تفكر وتتصرف بها على حد سوى، لذلك تجد أناسا كبارا في السن ويتصرفون بتصرفات صبيانية وعشوائيين لدرجة ما، كما نجد فئة أخرى صغارا في السن وتراهم ناضجين عاقلين ويتصرفون بحكمة غريبة. النضج غير مادي، بل حسي، نحسه ونشعر به ونلاحظه ولا نستطيع تقييمه..

يوجد في العالم مرض اسمه (سوء نمو) مثل النمو المتأخر والنمو الغير منتظم، وخصوصيته والعوامل التي تأثر فيه وفترات النمو الحاسمة وحتى تأثير الخبرات والمواقف التي يمر بها الفرد. لكن لا يوجد مرض في العالم اسمه -سوء النضج- أو -قلة نضج- أو أن فلان يعاني لأنه غير ناضج، بالعكس الشخص الذي لم ينضج بعد هو لا يستوعب ذلك ولا يفهمه حتى إن تذمر منه أصدقائه فهو يعتبر ذلك غيرة منه أو ما شبه ذلك لكنه لا يعتقد بأنه لم ينضج بعد، كل شخص في العالم يرى نفسه من زاوية لا يستطيع النظر منها إلا هو!

النمو والنضج ﻛﻠﻤﺘﻴﻦ ﻣﻨﻔﺼﻠﺘﻴﻦ.. كيف؟

ﻫﻨﺎﻙ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ "ﺃﻧﺖ" موجودة في جسد ﻭﺍﺣﺪ، إﻧﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﻓﻜﺮﺓ ﻓﺮﻭﻳﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻭﺍﻷﻧﺎﻗﺔ. ﻫﻨﺎﻙ "ﺃﻧﺖ" ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺼﺮﻑ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻓﻲ البداية ﺛﻢ ﻫﻨﺎﻙ "ﺃﻧﺖ" ﺍﻟﺬﻱ (ﻳﺮﺍﻗﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ) ﻭﻣﻦ ﺛﻢ، ﻫﻨﺎﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺟﺰء منك ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺟﺴﻤﻚ ﻭﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﺇﻧﻪ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻚ ﺃﻥ تعرفه.

ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﺮﺑﻜﺎ ومعقدا ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺸﻲء، ﻓﺤﺎﻭﻝ ﻓﻬﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ.. ﻫﻨﺎﻙ ﺃﻧﺖ ﺍلتي تعمل ﻓﻘﻂ، ﺇﻧﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻓﻴﻚ، ﺇﻧﻬﺎ ﺃﻭﻝ "ﺃﻧﺖ"! ﺃﻧﺖ ﺗﺄﻛﻞ، ﺃﻧﺖ ﺗﺘﻨﻔﺲ، أنت التي ﺗﻔﻌﻞ ﺃﺷﻴﺎء ﺑﺸﺮﻳﺔ. ﺃﻧﺖ ﻻ ﺗﺴﺄﻝ ﻧﻔﺴﻚ ﺣﻘﺎ ﺳﺆﺍل عندما تكون مثلا: ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﺮﺃ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﺛﻢ ﻫﻨﺎﻙ "ﺃﻧﺖ" ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺍﻗﺐ ﺟﻤﻴﻊ ﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻚ ﻭﺃﻓﻜﺎﺭﻙ، ﻭﺍﻟﺘﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎ.. ثم هنالك "أنت" اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ والتي يصعب ﻗﻠﻴﻼ الوﺻﻮﻝ إليها. ﻳﻤﻜﻨها ﺃﻥ تنظر ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻮﻛﻚ ﻭﺃﻓﻜﺎﺭﻙ ﻭتصل ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻨﺘﺎﺟﺎﺕ ﻣﺘﻄﻮﺭﺓ ﻭﺫﺍﺗﻴﺔ. ﺇﻧﻬﺎ "ﺃﻧﺖ" ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺴﺘﻬﺪﻓﻬﺎ..

تلك "الأنت" التي تراقبك باستمرار هي التي تستطيع تنبيهك حتى قبل أن تتصرف، هي التي تنزعج من تصرفاتك الصبيانية والغير مقبولة، وسوف يتساءل البعض هل أن كل فرد ناضج نجح في الوصول إلى "أنت" الثالثة! طبعا لا لكن أسس النشأة والتربية هي من تجعلها في صحوة دائمة، حتى القصص التي تحكيها لنا جداتنا في الصغر تبقى راسخة هنا، خاصة إذا ارتبطت بأخلاقيات معينة وترعرعت في عائلة محافظة، لا ننسى أن البشر يخلق على فطرة سليمة لذلك الوسط العائلي غاليا ما يكون المأثر الأول في فطرتك من ثم في تركيبتك.. النضج في الأخير قرار شخصي واجتهاد بشري يستطيع أي منا الوصول إليه، ما دمت حي بإمكانك أن تسيطر حتى على بعض انفعالاتك وحركاتك وكلماتك، تصرفاتك، عملك، وحتى مكان تواجدك.. أنت الذي تختار منزلتك!

المصدر: وكالات