الإثنين 26 أغسطس 2019 09:55 ص

القراءة وعي.. وليست موضة!

السبت 09 فبراير 2019 11:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

القراءة وعي.. وليست موضة!
أرسل إلى صديق

ياسين حكان

تعتبر القراءة نشاطا ذهنيا، قد يكون مقصودا في ذاته أو غير مقصود، بمعنى قد يكون فعلا موجها لأهداف محددة، أو قد تكون القراءة مجرد فسحة وفرصة للتسلية، باعتبارها تجربة مفيدة وممتعة، وهذا أغلب ما يصرح به الكتاب والقراء على حذ السواء، أن متعة القراءة لا تضاهيها متعة، إذ هي حوار وتفاعل ونقاش حي بين الكاتب والقارئ، وهي البوابة الأولى للولوج إلى عالم الكتابة حيث الإبداع والتميز يسكن روح الكاتب، وهي تعبير عن حالات الكاتب وانفعالاته، وقد تكون بمثابة تنفيس للكاتب والقارئ معا لمواجهة ظروفهم الاجتماعية وروتين اليوم المؤلم.

والقراءة بهذا المعنى، تمكن الفرد من معرفة نفسه واكتشاف كيانه الداخلي، ومعرفة مشاعر الآخرين والتمييز بينها بهدف إدارتها من أجل حوار إيجابي وفعال مع الآخر، ذلك الحوار الذي يتسم بالجدية وبالسعي إلى تبادل الثقافة من خلال تبادل الكتب ومناقشة الأفكار والآراء والمواقف بهدف الاستفادة وتغيير ما بوسعنا من أفكار سلبية واستبدالها بأفكار إيجابية.

وإذا قمنا بنظرة خاطفة على الحضارات القديمة والحديثة، والتي حققت نجاحا كبيرا، سنكتشف أن القراءة هي البوابة الأولى لبناء الحضارة وصناعة الثقافة، والثقافة عند إدوار تايلور: "هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الانسان باعتباره عضوا في المجتمع"، وبهذا المعنى تصبح الثقافة جزءا لا يتجرأ من كيان الانسان والقراءة هي البداية الصحيحة لإنتاج الثقافة، ولإنتاج ثقافة جادة، لابد من قراءة جادة، والقراءة أنواع ومشارب، فهناك من يقرأ لينفس عن مشكلاته الداخلية، ويعمق صلته بذاته، ويقرأ من أجل لذة يبتغيها ويسعى إلى تحقيقها، وهذا النوع من الناس، يقرأ فقط من أجل بعض المتعة وبعض الفرح، هنالك صنف آخر من الناس، يقرأ من أجل تقديم إضافة ولو بسيطة للثقافة الإنسانية، وهؤلاء هم المبادرون الذي يصنعون الحضارة بأعمالهم وأفكارهم ورؤاهم ويحاولون ممارسة فعل القراءة بنية الإضافة للمعرفة، حيث أن أغلبهم يقرأ أكثر ليفهم، ويراجع كثيرا ما يقوله وما يبوح به من أفكار ومشاعر، وهؤلاء هم من صنعوا المجد وبنوا الحضارات وأسسوا العلوم وساهموا في تطوير العقول والأفئدة.

وهؤلاء هم من يعتبرون القراءة حياة، كما يقول العقاد: "القراءة حيوات"، هذه العبارة هي تعبير بالغ وصريح على أن القراءة مهمة وأساسية لما لها من فوائد جمة على الفرد والمجتمع، إذ هي اللبنة الأولى لاكتشاف ذواتنا ولإدراك قصورنا ولتعميق معرفتنا بأنفسنا ومن ثم اكتشاف الآخرين بغية التواصل معهم لخلق خطاب إيجابي وفعال؛ خطاب ينم عن وعي وإدراك لأهمية الأفكار، وأن الأفكار الخلاقة لن يتملكها أي كان، وهنا تجذر الإشارة، إلى أن القراءة نشاط نفسي واجتماعي، إذ يتأثر الفرد بثقافة مجتمعه وما يشوبها من عيوب وترهلات، وبطبيعة الحال، يتأثر فعل القراءة بنفسية القارئ والكاتب، فالكاتب يعبر عما يخالجه من مشاعر وأفكار، والقارئ يشاركه نفس الإحساس والشعور، وبهذا المعنى تصبح القراءة عالما نوعيا وفريدا، إذ تمكننا من معرفة تاريخ الشعوب والمجتمعات، وتعلمنا كيف نكتشف ذواتنا والعالم من حولنا، وبطبيعة الحال هي عملية معقدة ومركبة ويصعب إدراك أهميتها باعتبارها رؤية ثانية للواقع المعيش، حيث أنها تساعد على إدراك الاختلاف بيننا كبشر، وتكييف هذا الاختلاف في اتجاه تحقيق أهدافنا وغاياتنا، وأهم شيء يميز الإنسان، أنه إنسان قارئ، فمن الصعوبة بمكان إدراك أهمية القراءة وتأثيرها العجيب على نفسيتنا، وإنها بمثابة علاج لمشاكلنا التي تواجهنا صباح ومساء، وتعكر صفونا، وبهذه الطريقة، تصبح القراءة جزء لا يتجرأ منا كبشر.

والمفروض علينا كأفراد ومؤسسات أن ننشر فعل القراءة لما له من أثر إيجابي وفعال على حياة الفرد والمجتمع، وأن نشجع الصغار والكبار على القراءة والتأليف واعتناق الكتب، ونمنحها حقها من العناية والاهتمام، سيرا على نهج العلماء، ولا شك أنها مسألة أساسية إذا أراد المرء أن تكون له قيمة في هذا العالم، وفي وقتنا الراهن أصبحت القراءة قضية مصيرية، إذ هي المدخل الأول والأساسي لاكتشاف العالم واكتشاف أنفسنا قبل كل شيء، ومما ذكرناه سابقا، يتضح أن القراء صنفان قراء يستمتعون ويعشقون تجربة القراءة، وهؤلاء ما أكثرهم تجدهم على قارعة الطريق، ويقرأون في المقاهي والأماكن العامة والحافلات، وهنالك صنف آخر، يقرأ ويمارس فعل القراءة باستمرار دون كلل ولا ملل، بنية الإضافة للبحث العلمي، وما أحوجنا لهؤلاء، وهم القلة القليلة التي يستضيء العالم بنورهم ويهتدي الأفراد بأفكارهم ورؤاهم الشمولية، ويعتبرون القراءة فعلا لابد من ممارسته، وهؤلاء هم من يصنعون الثقافة، ويعتنون بها أكثر من اعتنائهم بأي شيء، وقد تجد أحدهم يمنح حياته كلها للعلم ويعتكف على الكتب ويمارس شغفه المعرفي، وقد يتخلى عن ما يستمتع به عامة الناس من ملذات ومتع زائلة، ونحن في أمس الحاجة لمثل هذا الصنف من الناس والقراء، ولا بد للمرء أن يوازن بين حياته الشخصية والمهنية وانشغالاته الفكرية، وأن يخرج إلى الميدان حتى لا تكون كتاباته مجرد أفكار مثالية لا تمت للواقع بصلة، وهنا فعلا يصبح القارئ أو الكاتب منتجا ومبدعا لثقافة ولأفكار تراعي ظروف الناس الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وتقدم حلولا واقعية لمشاكلهم.

المصدر: وكالات