الخميس 22 أغسطس 2019 12:52 م

انسحاب العثمانيين من القدس: هروب أم قرار استراتيجي؟

الخميس 14 مارس 2019 08:30 ص بتوقيت القدس المحتلة

انسحاب العثمانيين من القدس: هروب أم قرار استراتيجي؟
أرسل إلى صديق

محمد العوض

في نهاية عام 1917 وإثر الانكسار العثماني أمام القوات الانجليزية، انسحب العثمانيون عشرات الكيلومترات للخلف ليتركوا مدنا كاملة خلفهم مثل القدس، ليدخل الجنرال اللنبي المدينة المقدسة من غير قتال. وقد فسر بعض المؤرخين هذا الانسخاب بالهزيمة الحاصلة، وفسر آخرون الانسحاب وعدم الدفاع عن القدس بأن العثمانيين أرادوا تجنيب الدمار للمدينة المقدسة. لكن المعارك التي حدثت بعد ذلك لا تشير إلى أن العثمانيين رموا السلاح، بل تجهزوا بثلاثة جيوش جرارة بعد عدة أشهر وتخندقوا في فلسطين تخندق من يبحث على النصر.

يعتبر التخندق في الحرب هو أحد فنون الدفاع الاستراتيجية، وهو قرار يتخذة قائد الجيش ضمن معطيات المعركة. ويُرمى إلى مهندسين متخصصين في التحصينات. ويكون التخندق أمام جيش أقوى عددا وعدة، لذلك يستعين الأضعف بعوامل تساعده في صد الهجوم أو إلحاق هزيمة بالعدو. وفي الإسلام اول من استخدم التخندق هو سيد البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في معركة الأحزاب، وتعتبر معارك بلاونة ضد جحافل الجيوش الروسية أشهر معارك التخندق الدفاعية في التاريخ العثماني عام ١٨٧٧ بقيادة الأسطورة عثمان باشا.

في الحرب العالمية الأولى تخندقت الجيوش العثمانية على الدردنيل وانتصرت على الأعداء. لكن أشهر حروب التخندق كانت ضد القوات البرية الألمانية من قبل الجيوش الروسية والفرنسية، ومع أن الألمان كانوا يعتقدون بنصر حاسم لما يتمتعون به من قوة اصطدموا أمام آلاف الكيلو مترات من الخنادق هي الأطول في التاريخ.

على جبهة فلسطين في أواخر عام ١٩١٧ كان المشهد العسكري لصالح الإنجليز بسبب العدد والعتاد، وكان الخيار الاستراتيجي الأقوى هو الانسحاب من مساحة جبهة طويلة إلى الخلف عدة عشرات كيلو مترات والقتال على مساحة أصغر لتهميش الفرق العددي، مع الاستفادة من البحر الميت كخط دفاع طبيعي لمنع الالتفاف. لذلك كان افضل خط دفاعي لصالح العثمانيين هو من رأس البحر الميت شمالا إلى البحر الأبيض، وهو أقصر خط يمكن الدفاع فيه؛ مما يعني الانسحاب من القدس والخليل. وبالفعل تخندق العثمانيون طيلة عام ١٩١٨ بثلاثة جيوش: الرابع والسابع والثامن.

لذلك خروج العثمانيون من القدس ليس من أجل تجنيب المدينة الدمار، بل لأنها نقطة دفاعية ضعيفة وسريعة الاختراق. وشدة المعارك في صيف 1918 تثبت أن العثمانيين لم يتركوا القدس، بل الواضح أنها قرارات عسكرية استراتيجية.

المصدر: فلسطين الآن