الأربعاء 18 سبتمبر 2019 04:26 م

عندما يلجأ الإنسان إلى الكذب!

الخميس 11 أبريل 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

عندما يلجأ الإنسان إلى الكذب!
أرسل إلى صديق

لحبيب آيت أ صالح

لقد ظلت الكذبة ملتصقة بأبريل، وظل أبريل متهما حتى تثبت إدانته أو براءته، لكن متى ارتبط الكذب بالزمن؟ الكذب صفة وسلوك يتميز به البشر، ويندرج ضمن الجانب اللاأخلاقي لهم، كيفما كانت أسباب الكذب، فإنه لا ينبغي أن نمارسه في علاقاتنا وتصرفاتنا وكلماتنا وتعابيرنا، لكن الكذب كان ولا زال مترسخا فينا، ونمارسه بكل ما ملكنا من مصلحة، ونستخدمه بكل ما ملكنا من نية سيئة، ولا نكترث لعواقبه إلا بعد أن يكون الأوان قد فات، ونظرا لما ينطوي عليه الكذب من سلبيات لا تنتهي، فقد حرمته الأديان، ورغم كل ذلك، يبقى الكذب معششا فينا، إلى درجة أنه أصبح طبيعيا أن نمارسه في سلوكاتنا، ذلك أن هناك دوافع تدفعنا إلى استخدام الكذب، وهنا يمكن أن نتحدث عن الإشكالات التي حاول المفكرون التطرق لها فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي لهذا الفعل الغير الأخلاقي، وذلك لارتباط الكذب بالإنسان، وهو صفة تضع الإنسان أمام جانبه الشرير، وتُظهر خبثه الذي لا ينتهي.

عندما نكذب فإن الأمر يتطلب منا المزيد من التركيز حتى نكون صادقين في كذبتنا، ونبذل حيال ذلك جهدا مضاعفا حتى لا تنكشف كذبتنا، لكن الأيام كفيلة باستكشافها، ذلك أن النسيان يغلبنا، وهكذا ستظهر حقيقتنا، وحتى لا نرهق أنفسنا بأكذوبة تعذبنا في السر، كان جميلا أن نمارس وضوحنا، وأن نتصرف بحقيقتنا، وأن نقول الصراحة مهما تتطلب الأمر، هذا الأمر يتطلب جرأة زائدة، وشجاعة مستمرة، ذلك أننا ندرك بوضوح أن الأخر لن يتقبل حقيقتنا، ومن هنا نلجأ للكذب، علنا نخفف عليه بعضا من وطأة -الصدمة- الحقيقة، وذلك بقولها بطريقة تصبح فيها الكذبة حقيقة، لكننا نعلن في ذلك عن إخراج الأمور من سياقها ومن مسارها، ووضعها في مسار لا يليق بالوضوح الذي ينبغي أن نمارسه وأن نعيش في ظله.

مع بداية أبريل يتحدث معظم الناس عن ما يسمى بكذبة أبريل أو نيسان، ولعل الأصل في هذه الكذبة يبقى غامضا، لأن الروايات تختلف وتتنوع في ذلك، لكن الواضح أن شهر أبريل يمارس فيه الناس مقالب تتضمن أكاذيب متنوعة وذلك من أجل مسايرة حكاية كذبة أبريل، بهدف خلق المرح والبهجة بأسلوب يساير مفهوم الكذب، وهكذا التصقت تهمة الكذب بأبريل، وإن كان الكذب ليس تهمة، من هنا تعددت الحكايات، وأضحى الأول من نيسان رمزا للكذب، رغم أن هذا الكذب قد لا نعتبره كذبا ما دام مضمونه يهدف إلى المرح والبهجة، أما الكذب المدان فهو ذلك الذي يدفعنا إلى اختلاق واصطناع وتزييف الحقائق عن مسارها، ووضعها في مسار موجه بالأساس نحو مصلحتنا.

لن ينكر أحد أن الكذب سلبي في مجمله، بما في ذلك ما يسمونه "كذبة بيضاء"، مهما كانت أهداف هذه الكذبة، ومهما تعددت ألون الكذب فإنه يظل واحدا، ويعتبر مرفوضا في جميع الأحوال، وكلنا ندرك ذلك، وبقدر ما هو مرفوض، أصبحت ممارسته لا تليق، باعتباره فعلا لا أخلاقيا، وبذلك يظل صفة تميز الإنسان، وتجعله كائنا كذابا بامتياز، ذلك أن البشر جميعا يكذبون، لكن تختلف حدة الكذب من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، وبما أن التربية تساهم جزئيا في بناء إنسان يمارس الوضوح، فإن هناك مجتمعات تمكنت من خلق هذا الإنسان، الإنسان الذي يحاول أن يكون كما هو، ويمارس الحقيقة مع الآخرين دون نفاق أو مجاملة أو كذب، وهناك أيضا مجتمعات لا تسير في هذا المنوال كحال مجتمعاتنا، ونظرا لغياب تربية ملائمة، على جميع مستوياتها، فإنه كان يسيرا أن تتسلل السلبيات إلى هذا المجتمع، ومن بين هذه السلبيات يوجد الكذب، ذلك أن قضية الكذب تغلب على العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا، بل إن الكذب بات أمرا طبيعيا يُمارس بدون اكتراث لعواقبه، وهذا ما عمق من جراح مجتمعاتنا، فجعل وضعها الاجتماعي كارثي مع الأسف.

من الواضح أن حيزا كبيرا من الفشل الذي تتعرض له العلاقات الإنسانية يكون بسبب الكذب، ذلك أن هذه العلاقات بقدر ما تتأسس على الوضوح والصراحة، تزداد إمكانية نجاحها، لكن عندما تصبح هذه العلاقات مبنية على كذب مباشر وغير مباشر، فإن الفشل هو المصير الذي ستؤول إليه عاجلا أو آجلا، والحق أننا ومن كثرة ما ابتلينا بالكذب أصبح طبيعيا أن نستخدمه في سلوكاتنا وتعابيرنا وعلاقاتنا، والأسوأ من ذلك أن مشاعرنا بدورها طغى عليها الكذب، فبتنا أمام ما يسمى بلعبة الحب، حيث نتلاعب بمشاعر الآخرين، وبدورهم يفعلون ذلك، فنوهم أنفسنا بمشاعر مزيفة، الأمر الذي يعجل بنهايتنا في هذه اللعبة، لأن لعبة المشاعر أخطر من أن نتلاعب بها، ولأن المشاعر وُجدت لكي تكون صادقة، فكان أمر إدخال الكذب عليها بمثابة جريمة لا تغتفر، ونرتكبها دون أن نأخذ بعين الاعتبار ضميرنا -هذا إذا كان حيا- الذي سيعاقبنا لو فزنا باللعبة بطريقة خاطئة، وهي الطريقة التي سنخسر من خلالها الشخص، ما دمنا لا نبادله مشاعر حقيقية، فيكون الخسران والخيبة حليفا لنا في معركتنا المشاعرية.

إننا نمارس الكذب بدون حدود، نمارسه في حياتنا بشكل بشع، ونستخدمه لأغراضنا بشكل لا يليق، نكذب من أجل مصالحنا، نكذب من أجل تبرئة أنفسنا، ونكذب من أجل تبرئة المقربين إلينا، ونكذب من أجل تحقيق نزواتنا، ونكذب في مشاعرنا، ونكذب في صداقاتنا، وفي علاقاتنا، نكذب مع الأقرباء ومع الأصدقاء، ومع الغرباء أكثر، نكذب بكل ما ملكنا من خبث، نكذب ونحن نعلم جيدا بأن الكذب لا يليق، ونؤمن أنه يجب علينا قول الحقيقة، لكننا نتوانى خلف ضميرنا وأخلاقنا لكي نعطي عن ذواتنا وعن حقائقنا مغالطات تبيح المحرم وتحرم المباح، وتجيز الباطل وتبطل الحق، وفي النهاية نحن من يتضرر أكثر من وراء ما قلناه ومارسناه، ونحن من يصاب بالحسرة لما اعتقدنا أننا سنخسر الآخرين إذا صارحناهم، وبالتالي يستحسن أن نكذب من أجل أن نربحهم، لكننا بذلك نؤجل موعدنا مع هذا الخسران، ونربي ذواتنا على اعتناق خوف وانفصام ونفاق لا ولن يليق بشخصياتنا، ولعلنا أكبر الخاسرين عندما نقدم على الكذب.

لقد اجتمعت الأديان على تحريم الكذب باعتباره فعلا لا أخلاقيا، ولكن نظرا لما يحققه من نتائج على المدى القريب والبعيد، فإن البشر لم يكترثوا لهذا التحريم، بل لم يأخذوه على محمل الاعتبار، وجعلوا تعاملهم مع الكذب يظل طبيعيا في مجمله، لأنهم لا يعيشون تحت أجهزة كشف الكذب، وفي غياب هذه الرقابة، فإن البشرية لن تتوانى عن إتيان الأفعال غير الأخلاقية، والكذب بشكل كبير، رغم ادعاء الأخلاق كلية، ولعل هذا الأمر هو ما حاول المفكرين معالجته فلسفيا، لمعرفة الدافع الذي يجعل الناس يكذبون، ومدى وجود جانب أخلاقي لهذا الفعل الغير أخلاقي، وأنه إذا كان يمكن أن نكذب من أجل أن نحقق مصلحة عامة، أو أن نكذب من أجل أن ندافع عن قضية أو شخص يستحق هذا الدفاع ويستحق التبرئة، وهذا هو الذي يضعنا أمام إشكالية الجانب الأخلاقي للكذب، والحق أن هذا الفعل يظل فعلا لا أخلاقيا، ولا يمكن أن نأخذه من ناحية أخلاقية كيفما كان الحال، وبذلك يظل الكذب مرفوضا في جميع الأحوال.

يبدو واضحا أن فعل الكذب مرفوض تماما، لكننا لطالما اعتبرنا بأن الممنوع مرغوب، وأن الأمور الممنوعة تبقى لا أخلاقية، وكان أساس هذا المنع هو أن ما يتم تحقيقه بهذه الأمور لا يليق بالإنسان، فإن الإنسان نظرا لما ينطوي عليه من شر، لا يتوانى عن إتيان الممنوع، وذلك لما يمكن أن يحققه من وراءه من لذة أو مصلحة، هذه النتيجة أو هذا الهدف يجعل الإنسان لا يكترث للممنوع، وتصبح بذلك الغاية مبررا للوسيلة، وتصبح المحظورات مباحة للضرورة، فإذا كانت غاية الإنسان هي تحقيق مصلحته، فيمكن أن يستخدم لهذا الغرض وسيلة الكذب، وإذا كان مضطرا لإتيان أمر ما، فإن المحظورات والكذب واحد منها يجعل الإنسان قادرا على استخدام المحظورات من أجل تحقيق مصلحته. لكن كيفما كان هذا الكذب الذي يمارسه الإنسان مع الآخرين، لن يكون أسوأ من الكذب على الذات، فأن تكذب على ذاتك، فهذا الأمر بمثابة إعلان حداد على شخصيتك.

المصدر: وكالات