الأربعاء 18 سبتمبر 2019 04:25 م

وانتصر الأسرى

الأربعاء 17 أبريل 2019 08:43 ص بتوقيت القدس المحتلة

وانتصر الأسرى
أرسل إلى صديق

ناصر ناصر

انتصر الاسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الاسرائيلي في معركة كرامتهم وكرامة شعبهم الثانية، ولكن وكطبيعة كل الثورات المنتصرة ليس قبل ان يخوضوا معركة متميزة وفريدة من نوعها في شكلها وجسارتها وظروفها وفي نتائجها من حيث التكاليف والعوائد فكيف تم ذلك؟

اتخذت مواجهة الاسرى الفلسطينيين لسجانيهم هذه المرة شكلا متميزا وابداعيا، فهي لم تبدأ بالاضراب المفتوح عن الطعام بل سبق ذلك مرحلة نضالية متميزة بدأت في 16-2 في النقب ثم في 28 فبراير 2019 وهي حل التنظيمات، حيث أعلنت اربع حركات فلسطينية وهي حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية حل نفسها، وبعبارة أدق إنهاء ما يعرف بالتمثيل الاعتقالي أمام ادارة السجون، مما يعني ان كل اسير هو ممثل عن نفسه، لتضرب بهذا في الصميم كل منظومات العمل لإدارة السجون القائمة على وجود تمثيل اعتقالي قوي لأسرى تنظيمات فلسطينية متماسكة وملتزمة، مما يعني إدخال الادارة في حالة من الارباك وفي وضع الطوارئ من حيث الميزانيات واستنفار مستمر للقوات وجلب قوات إضافية من الجيش وبقية الاجهزة الامنية، وهذا وضع لا يمكن تحمله لفترة طويلة.

ستدرك سلطات الاحتلال بعد اليوم ان حل التنظيم يعني إخراج «المارد من قمقمه» دون قيود، مما أدى لقيام اسرى قسم 1 في رامون في 18-3 بخطوة غير مسبوقة فحرقوا 14 غرفة من غرف قسم 1 الخمس عشرة، وخرج الاسرى من غرفهم دون خطوات عنيفة ضد السجانين، فانتقمت عصابات القمع منهم بضرب 56 اسيرا من اصل 88 اسيرا في مخالفة واضحة لقوانين وأعراف السجن المعروفة والقاضية بمنع ضرب أسير مقيد لا يمثل اي خطورة على حياة طاقم الامن، وكان من بين الجرحى والمضروبين قادة من الفصائل منهم معاذ بلال وزيد ابسيسي وكميل حنيش.

ثم جاءت «لحظة الذروة» في نضال الاسرى الفردي الناتج عن حل التنظيم، وهي قيام الاسير الحمساوي اسلام وشاحي من مخيم جنين في يوم 24-3 بطعن ضابط وشرطي في قسم 4 الممتلئ بأجهزة التشويش الضارة التي اراد بها وزير الامن الداخلي اردان وبدوافع عنصرية وانتقامية منع الاسرى من التواصل مع ذويهم واهلهم، فما كان من سلطات الاحتلال الا ان استدعت قوات النخبة وجيشها المهزوم كقوات جفعاتي ليس للسيطرة الامنية على الاسرى -فقد تمت بالفعل- بل للانتقام الغريزي والهمجي من كل الاسرى فبدأت القوات بالنداء واستدعاء قادة الاسرى بالاسم وهم مقيدون ثم أطلقوا النار عليهم وضربوهم كما حدث مع مسؤول حماس في النقب المهندس سلامة قطاوي، ونائبه مصعب ابو شخيدم وامير قسم 4 أحمد الصيفي.

الى جانب «ذروة النقب» النضالية كان العالم على موعد مع لحظة تاريخية من لحظات نضال الشعب الفلسطيني وقمة اخلاقية جديدة، وقد تكون غير مسبوقة من قمم دفاع الشعب عن أسراه حيث قامت أذرع المقاومة الفلسطينية في غزة، ونتيجة خطأ مبارك ومشرف وبشكل فوري وأثناء سيلان دماء اسرى قسم 4 في النقب نتيجة قمعهم في ليلة باردة ومطيرة في عراء صحراء النقب القاحلة بإطلاق صاروخ طويل المدى من فخر الصناعات الفلسطينية العسكرية الى قلب الاحتلال شمال تل ابيب، وذلك على الرغم مما قد يعنيه ذلك من دخول حرب عسكرية واسعة وباهظة التكاليف ضد قطاع غزة المحاصر والمكلوم، وحينها فقط أدرك نتنياهو ان قرارات أردان ضد الاسرى قد تهدد مستقبله السياسي قبيل انتخابات الكنيست بتاريخ 9-4-2019، فقرر البدء بخطوات التراجع عن الهجمة ضد الاسرى، ومن اهمها تنحية الوزير اردان عن التعامل مع ملف الاسرى ومتابعته له شخصياً وما بعد ذلك كله تفاصيل على اهميتها.

لم تقتصر لحظة الوفاء الفلسطيني للأسرى على صواريخ «تل أبيب الخاطئة» بل تعدتها لتشمل ممارسة ضغوط سياسية كبيرة لتحقيق مطالب الاسرى العادلة، وقد أشرف عليها وتابعها شخصيا وأولا بأول رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية الى جانب أعضاء القيادة روحي مشهى وموسى دودين، حيث تم نقل رسائل واضحة لا تقبل التأويل لحكومة اسرائيل من خلال الاخوة المصريين انه لا يمكن تحقيق التهدئة مع غزة دون وقف الهجمة الشرسة على الاسرى، الامر الذي زاد من أزمة نتنياهو وعزز من معضلته ودفعه باتجاه الاستجابة لمطالب الاسرى العادلة والانسانية.

اضطرت ادارة السجون وبتوجيهات من مكتب رئيس الوزراء نتنياهو للدخول في حوار مع قادة الاسرى المجتمعين في قسم 4 رامون وعلى رأسهم رئيس هيئة حماس محمد عرمان ورئيس هيئة الجهاد زيد ابسيسي والمصريين بذكاء للدفاع عن أنفسهم وإلغاء كافة الاجراءات القمعية ضدهم، وتمكينهم من معالجة شرارة الازمة من خلال تمكين الاسرى من التواصل الانساني مع عائلاتهم وقد تم ذلك الى حد كبير، ولكن ليس قبل سبعة ايام من إعلان الاسرى لبدء معركة الاضراب المفتوح عن الطعام، حيث وافقت حكومة الاحتلال على العديد من المطالب ومن بينها ما كانت تعتبره «لعنصريتها المعهودة» محرما على اسرى فلسطين الامنين، مباحا على الاسرى الجنائيين من كل جنس، وهو تركيب هواتف عمومية داخل الاقسام، وليحقق الاسرى بذلك مطلبا تاريخيا عادلا بذلوا من أجله الكثير كإضراب 2017 الشهير بقيادة المناضل مروان البرغوثي.

وهكذا انتصر الاسرى على جلاديهم.

المصدر: فلسطين الآن