السبت 24 أغسطس 2019 12:53 ص

الخرق العثماني.. شاهد حي من "سكة حديد الحجاز"

الإثنين 22 أبريل 2019 01:30 ص بتوقيت القدس المحتلة

الخرق العثماني.. شاهد حي من "سكة حديد الحجاز"
أرسل إلى صديق

بممر ضيق وطريق وعر طويل تحفّه الجبال العالية، يستقبل "الخرق" (النفق) زواره رجالا وركبانا لا سيما في مثل هذه الأيام من فصل الربيع، فالمبنى العثماني بات محط أعين السياح الذين يتقاطرون عليه من كل حدب وصوب.

كأحد أبرز معالم سكة حديد الحجاز التي شيّدها العثمانيون خلال حكمهم لفلسطين، يتوسط "الخرق" مدن نابلس وجنين وطولكرم شمال الضفة الغربية، ويروي حكايته كآخر معالم السكة القائمة بكل تفاصيلها.

هذه التفاصيل بات أحمد صلاح (39 عاما) ملمّا بها، وكان يقصها على مسامعنا بينما اعتلينا جراره الزراعي وسرنا لساعات عبر طريق السكة في محاكاة لمشهد عاشه الفلسطينيون قبل قرن من الزمن.

يشير بيده من بعيد ليرشدنا إلى مكان الخرق الذي يغوص بين جبلين بمنطقة تدعى "راشين"، بدا الخرق ظاهرا للعيان لكن الوصول إليه يحتاج لوقت أطول.

ولقرب قريته "برقة" من الخرق، يوجد صلاح بشكل شبه دائم هناك، يتفقد المكان ويلتقط الصور والفيديو، وينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتخذ من ذلك وسيلة لإرشاد الزوار وتعريفهم بالمكان.

ويتعاقد مع بعضهم لتنظيم جولات ترفيهية وسياحية، مستندا على جراره ومعلومات استقاها من كبار السن الذين عايشوا تلك الحقبة وتناقلوا رواياتها.

تراث وحضارة

بني الخرق خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) بهدف نقل الحجاج الفلسطينيين للحجاز، وتأخر بناؤه بفعل قلة المال، حيث استأنف تنفيذ المشروع عام 1908 واستمر لأربع سنوات بتبرعات ومبادرات شعبية وبمواصفات ألمانية نتيجة التحالف بين ألمانيا وتركيا آنذاك.

يقف صلاح فوق "التراكتور" (الجرار) مستغلا علوه ليطالع سقف الخرق الذي يرتفع لأكثر من سبعة أمتار وبعرض مشابه أيضا، ويتحسس بيده جدرانه الحجرية التي تآكل بعضها بفعل عوامل التعرية وقلة الترميم.

ويقول "إن هذا يهون أمام خطر أكبر يتمثل في نبش لصوص الآثار للخرق من الداخل بهدف البحث عن الذهب العثماني".

يسير الوقت ببطء كما حال الجرار، تأسرنا المشاهد الجذابة للخرق الممتد بطول 400 متر منها 260 مترا مسقوفا بحجارة فلسطينية نحتت ونقلت بأيدي صناع مهرة، فالمواصفات ألمانية والإشراف عثماني والأيدي فلسطينية عملت بنظام "السخرة" ودون مقابل.

وبأيدي هؤلاء العمال شق الجبل الذي يرتفع أكثر من 70 مترا، إذ لم تسمح تضاريس المكان بغير ذلك لمرور السكة، فلا مجال لتحويل الطريق ولا قوة لديهم ولا وقت كافيا لهدم الجبل بأكمله.

وبطريقة يتجلى بها الفن والهندسة والإبداع، بُني الخرق بحجارة تراصت وتداخلت في بعضها دون الحاجة لسند من أعمدة وغيرها، وجعلت له مزاريب لتفريغ مياه الأمطار، وحفر بجانبيه وفوهات يختبئ بها المارون أثناء عبور القطار.

يعرف صلاح تلك الفوهات جيدا، وهو يصوّرها ومعالم تراثية أخرى لينشرها عبر صفحته على فيسبوك لجذب الزوار وإبقاء تواصلهم مع المكان، ويقول "نشرت حتى الآن أكثر من 21 ألف صورة بينها المئات للخرق".

وسائل التنقل

بدا السير على الأقدام أكثر جاذبية رغم وحشة المكان وظلمته، فالمرور منه يحتاج لإضاءة كافية، إذ يخلو الخرق من كل شيء إلا من صوت قطرات مياه الينابيع التي شقت طريقها في ثنايا الجبل.

لهذا يقتنص الشاب محمد اعمير من قرية بلعا المجاورة للخرق، الفرصة لمرافقة صديقه عبر جراره لزيارة المكان، فهو كما يقول "أكثر متعة وأمنا"، حيث غمرت مياه الأمطار طريق السكة وأوحلته.

يرى اعمير في المكان الذي لا ينقطع عن زيارته، جمالا وتراثا يقل نظيره محليا وعالميا، ويقول إنه شاهد على "عظمة الحضارة العثمانية".

وشكلت نابلس آخر محطات القطار في الشمال الفلسطيني، ومنها ينطلق القطار إلى حيفا وبلاد الشام مرورا بالخرق وبمحطات رئيسية تتباعد بمسافات تصل لعشرة كيلومترات عن بعضها، وأهمها محطة المسعودية شمال نابلس.

حادثة التفجير

لكن ما لم يُؤخذ بالحسبان هو تفجير الخرق، وهو ما قامت به بريطانيا وحلفاؤها إبان الحرب العالمية الأولى، رفضا لاستخدام القطار لغير هدفه الأساس وهو نقل الحجاج، حيث حوَّله العثمانيون، وفق ما يرويه مدير المواقع بوزارة السياحة الفلسطينية عبد الرحيم حمران للجزيرة نت، "لنقل جنودهم".

وفي عام 1956 حلَّت إسرائيل أجزاء من سكة الحجاز واستخدمت حديدها إضافة لحديد سكة أخرى أنشأتها بريطانيا لعمل خط بارليف، واستطاع فلسطينيون أخذ قسم من حديد السكة العثمانية المعروف بـ"الدوامر" واستخدموه في بناء منازلهم لتمتينها.

الحاجة للترميم

والآن يقف الخرق كأحد أبرز شواهد الحضارة العثمانية الواضحة والكاملة والتي لا تزال تصارع من أجل البقاء، لكنه -وحسب مدير وزارة السياحة بمدينة طولكرم إياد ذوقان- يحتاج للترميم، حيث لم يحدث ذلك إلا مرة واحدة منذ عقدين وبشكل جزئي.

ويقول ذوقان إنهم بصدد تأهيل الخرق وإنشاء مرافق سياحية من قبيل الاستراحات والفنادق، وتزويده بالإنارة والافتات الإرشادية والتثقيفية، كاشفا عن مخطط لمشاريع عدة بينها "قطار سياحي يحاكي نظيره العثماني".

ربما ليس بحوزة أحمد صلاح أو حتى قدرته الحؤول دون العبث بالخرق خاصة خلال الليل، لكنه لن يتخلى عن مهمته في إرشاد الزوار وتوثيق كل مستجدات الخرق لحمايته ومنع العبث به.

المصدر: الجزيرة نت