الأربعاء 21 أغسطس 2019 07:56 م

"ربيع العرب زمن الإخوان"

الأربعاء 24 أبريل 2019 08:43 ص بتوقيت القدس المحتلة

"ربيع العرب زمن الإخوان"
أرسل إلى صديق

علي العتوم

كتابٌ هذا عنوانه، صَدَرَ عن دار مدارِك للنشر في دُبَيّ، شباط عام 2013م للمرحوم الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، أهدانِيه مع مجموعةٍ أُخرى من الكُتب القيِّمة الأخُ المستشار عبد الله العقيل أبو مصطفى جزاه اللهُ كُلَّ خيرٍ. ويقعُ في (382) صفحةً، يتكلَّم فيه عن الربيع العربي وصعود جماعة الإخوان المسلمين إبّانَه حتى سنة 2012م. ويشملُ الحديثُ فيه كُلَّ الأقطار العربية التي حَصَلَ فيها ذلكَ الحَدَث من مُرّاكش غرباً حتَّى البحرين شرقاً، مروراً بتونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسوريّة.

وهو يرى أنَ العنصرَ الفاعِلَ في حركات هذه الأقطار جميعاً، هم الإخوان المسلمون. ومن هنا كان التركيزُ فيه عليهم وعلى فكرهم، مضموناً أكثرَ منه تحديداً، وبطريقةٍ فكريّةٍ وأسلوبٍ بحثيٍّ يُقدِّمُ الآراءَ بما فيها من نَقَدَاتٍ، ويذكرُ الملاحظات ومعها بعضُ النصائح والتوصيات. وتفاوتَ كلامُ الرجل عن الأحداث في البلدان التي طَرَقَتْها، فيقلُّ نسبيّاً عن المغرب والبحرين وحتى عن ليبيا واليمن، ويكثُرُ عن مصر وسورية، بل إنّه ليُغرِق فيعود بمثل أحداث هذا الربيع إلى سنة 1988م حيثُ انتفاضة الجزائر التي سبقت غيرَها بهذا الحراك الذي وصلَتْ به جبهة الإنقاذ بزعامة عبّاس مدني إلى مشارف الحكم سنة 1991م لو لم تقمِ الدولةُ بإلغاء نتائج الانتخابات نكايةً بهذه الجماعة.

ففي المغرب يُؤكِّد أنَّ الملك هناكَ التقطَ الرسالة فطوَّر في دستور البلاد بحيث جعلَ الحزبَ الفائزَ بالانتخابات هو الذي يُشكِّل الحكومة، فشكَّلَها حزب العدالة والتنمية ذو الوجه الإخواني. وفي البحرين –وكانت وِجهةُ الحَراك فيه عامّةً شيعيّةً– قُمِعَ الحراكُ بحيث نَسَفَتِ الحكومة هناك دوُار اللؤلؤة الذي كان يتّخذُ منه المُنتَفِضون ملتقاهم، وفي اليمن كان الفاعل في الحراك ثَمَّةَ حزب الإصلاح ذو الخلفية الإخوانية كذلك، ولكنَّ علي عبد الله صالح بعدَ أنْ نجحتِ الثورة وبعد اتفاق على تشكيل حكومة وطنية يترأسها نائبه عبد ربّه منصور هادي، انقلبَ على الثورة ووقفَ مع مناوئيها.

أمّا تونس فقد كانت أوّلَ بلدٍ عربيٍّ جرى فيه الحراكُ، وسار نسبيّاً بشيءٍ كبير من السلاسة واليُسر، وكانت أكثرَ قطرٍ نجاحاً في ثورته وربيعه. وأمّا ليبيا وهو يصفُ حكمَ زعيمها القذافي بالعقيم، فيُقدِّم لأصحاب الربيع فيها وبأسلوبٍ حميميٍّ - وكثيرٌ منهم من الإخوان ممثّلين بحزب البناء لاستمرار ربيعهم ونجاحه – أربعَ نصائحَ هي: عدمُ الاعتماد على العمالة الرخيصة في البلد، ورفضُ القبلية عندهم أو تهميشُها، وأنْ تكون حكومتهم صغيرة بمسؤوليات مُحدّدة، وأنْ يتحرَّروا من النفط ولعنته. أما مصر وسورية اللتان أخذَ الكلام في كتابه عنهما حيّزاً أكبرَ، فقد نجحتِ الثورةُ في الأولى وأتَتْ بجماعة الإخوان حُكّاماً، وإنِ انقلبَ عليهم العسكر، وله عليهم في ذلك ملاحظات ومآخذ، أما سورية فلعلَّ نقمته على حاكمها بشار الأسد أشدُّ نقمةً يصبُّها على حاكمٍ ويصفه بأنّه سلَّطَ جيشه على بلده يحتلّه. وهو حاكمٌ لا يعرف أمام حركات مواطنيه إلاّ آلة القتل.

ويتعرّض الكاتب في كتابه للحديث عن الثورة الأفغانية، وأنَّ الإخوانَ سبقوا غيرهم إليها وأثَّروا فيها، إلاّ أنه ينتقدُ زعماءها بكثرة خلافاتهم، وأنَّ كُلاًّ منهم يعتقِدُ أنّه الزعيمُ الأول. كما يتعرض للحديث عن الجيوش العربية وأنّها لم تعدْ - بشكلٍ عام - جيوشاً تُدافعُ عن وطنٍ، بل جيوشاً تدافع عن غنيمةٍ!! ويَبِينُ من كلامه تقديرُه لدور تركيا في المنطقة على يدِ حزب العدالة والتنمية، وإنْ كان أحياناً – لسببٍ أو لآخر - يُقدِّم هذا التقدير مغموصاً فيه أو منقوصاً، كما يتجلَّى فيه إعظامُه للدولة السعودية إعظاماً يعدُّها فيه دولةَ الخلاص، ولا يكاد – ولو من أبعدِ طَرْفٍ خفيٍّ – أنْ يأخذ عليها بعض الهَنات. كما يَبِينُ فيه بجلاء حُبُّه للإخوان المسلمين. ومن هنا فهو يرى إمكانية حلّ مشكلات العالم العربي على يدهم بالتعاون مع السعودية، وقد مع تركيا بوصفهم صفّاً سُنيّاً يواجه مدّاً شيعيّاً تقوده إيران في المنطقة، كما يُواجه الأفكار الغالية في أهل السنّة كالقاعدة وحتَّى السلفية في بعض تصنيفاتها.

ويرى الكاتبُ أنَّ ما أصاب الأُمّةَ من خَلَلٍ نتج عن القضاء على الدولة العثمانية التي تآمر عليها الغربُ وبعض أبنائها، فقضَوْا على خلافتها وأتَوْا بالأفكار القومية التي نادى بها في حينها أو فيما بعدُ عبد الناصر والبعثيُّونَ خاصّةً، فكانوا سبباً كبيراً من أسباب نكبة الأُمّة بما كانوا يحملونه من فكرٍ ، ويقومونَ به من انقلاباتٍ عسكريّةٍ. ومن هنا كانت حركةُ الإخوان المسلمين الإشعاعَ الذي بمقدوره إضاءَة عتمةَ الأوضاع في هذه البلاد التي خَرَجَتْ للتوِّ من عباءة الخلافة. وكان بإمكانهم - وبالتعاون مع العربية السعودية التي كانت تُشاطرهم رفعَ شعار الحلِّ الإسلامي لقضايا المنطقةِ والأُمّة بأكملها، للتقارب الفكري الإصلاحي ما بين دعوة حسن البنّا ودعوة محمد بن عبد الوهاب، لولا ما أصابهم من ضرباتٍ قاصِمة – أنْ يُعيدوا مجدَ الأُمّة لسابق عهده، وإنْ كان يأخذ عليهم ما أفسدَ هذه العلاقة مع السعودية بوقوفهم بجانب صدام حسين في احتلال الكويت ومع إيران الآن أو عندما قامت بثورتها 1979م. ولذا فهو ينصحُ الإخوانَ أنْ يفكّوا أيديهم من أيدي إيران لتصلُحَ الأمور بينهم وبينَ وُلاةِ الأمور في بلاد الحرمين!! هذا مع أنَّ الإخوانَ حقيقةً لم يقفوا مع صدام في حرب الكويت أو غيرها، وإنْ كانوا قد تعاطفوا معه ومن قبلها، لدعمهم في ثورتهم على حافظ الأسد، ولتوجُّهه الإسلاميّ أواخر عهده. كما أنَّ ولاةَ بلاد الحرمين مع رفعهم شعار الحلّ الإسلامي كانوا في الحقيقةِ وما زالوا يُدافعون عن سلطانٍ أكثرَ منهم دفاعاً عن قرآنٍ!!

ويرى وهو يتحدّث عن الربيع في مصر وصعود نجمِ الإخوان فيه حتى وصلوا إلى الحكمِ بعدَ أنِ اتسعت دائرة انجذاب الناس إليهم، أنَّ مما ساعدَ على ذلك تطويرهم في أفكارهم وبرامجهم، إذْ أصبحوا أكثرَ تقديراً للمرأة والأزهر، وبُعداً عن التعنصُرِ ضدَّ الأقباطِ، وهجراً للسرية في تنظيمهم. وأقول: قد يكون في كلام الرجل شيءٌ من الصحّة، ولكنَّنا لو دقَّقْنا فيه لرأينا أنَّ الإخوانَ أبعدُ ما يكونون عن العصبيةِ ضدَّ الأقباط أو الاستخفاف بمنزلة الأزهر والمرأة. وأدبياتهم وتاريخهم يشهدُ بذلك. وفي معرضِ حديثه عن ترشِّح الإخوان للرئاسة بعدَ أنْ أعلنوا مقاطعتهم لها، فسَّرَه بلسان حالهم أو مقالهم، أنّهم إذا لم يأتوا هم فسيأتي غيرهم من أعداء الإسلام أو حتَّى مِمَّنْ يُشاركهم في التوجُّه الإسلامي كعبد المنعم أبو الفتوح وحازم أبو إسماعيل أو التيار السلفيّ عامة، ولكنّهم لن يكونوا على نهجهم، فعبد المنعم انفصلَ عنهم وتمرَّدَ على مبدأ السمعِ والطاعة لهم، والسلفيُّون بمَنْ فيهم أبو إسماعيل قد وجدَ منهم الإخوانُ كما يقول الكاتب وكما شَهِدَ به الواقع أذىً كثيراً ومنافسةً غير شريفة في العمل الحركيّ والسياسيّ!!

ويحكمُ الإخوانُ في مصر بانتخاب الشعب المصري بنسبة (51%) من أصواته، أحدَهم وهو الدكتور محمد مرسي رئيساً للجمهورية، ولكنَّ حُكمَه لم يدم سوى سنةٍ، إذِ انقلبَ عليه الجيشُ وفلول النظام السابق والأحزاب الليبرالية والعلمانية. وبينما يُفسِّر الإخوانُ الانقلابَ عليهم بالمؤامرةِ، يُلقي الكاتبُ بعضَ اللومِ عليهم، إذْ أعلنوا بعد النجاح إسلاميةَ الحُكم ولم يقبلوا نصيحةَ أردوغان أنْ يعلنوها علمانية كما هو الشأن عندَه، كما يُلقي ببعضِ هذا اللوم على مرسي نفسه، إذْ كان يتّخذُ من القرارات المفصلية ما لا يرجعُ فيه إلى مستشاريه، ومن ثَمَّ تسرُّعه في كَفِّ يدِ الجيش عن السلطة، مع أنَّ الكاتب لا يستبعدُ أنْ يكونَ هذا الانقلاب نتيجةَ مؤامرة حقيقية. قلتُ: ليس صحيحاً أنَّ مرسي كان ينفردُ بالقرار ففي هذا مبالغةً ظالِمة. أما قضية الجيش فوضع تركيا وتجربتُها غيرُ وضعِ مصر وإخوانِها وتجربتِهم، وأمّا المؤامرة وخاصّةً من بعض دول الخليج بالأموال وغيرها فهي ثابتةٌ وما زالت بُكلِّ شراسة.

ويعرضُ الكاتب لموقف إيران من الإخوان في ثورتهم القديمة على حافظ الأسد، وعدم تأييدها لهم، مع أنّ الإخوان كانوا أوَّلَ مَنْ أيَّدَ ثورتهم على الشاه، وأنَّهم كانوا في سوريّة يقومون بثورةٍ إسلاميّةٍ على الأسد، كما قاموا هم على الشاه، ثورةٌ شعارُها الإسلامُ ودعم المستضعفين. ويُعيد السببَ في ذلك إلى أمرَيْن أولهما أنَّ الإيرانيِّينَ كانوا آنذاك يتّهمونَ الإخوانَ أو قادتهم بالارتماء في أحضان الملوك والرؤساء العملاء، وأنَّ ثورتهم على الأسد كانت بتوجيهٍ من الملك حسين وصدام حسين!! وقلتُ هنا كذلك: إنَّ التعصُّب المذهبي عند إيران هو السبب الأكبر في هذا الموقف الشاذّ على الرغم من اعتبارهم مذهب العلويّين كُفراً!! وأمّا بشأن نصيحة الكاتب للإخوان بالابتعاد عن إيران حتَّى يتوافقوا ودول الخليج، ولاسيّما بلاد الحرمَيْن في دعم المشروع الإسلامي السياسي، فأقول: إنَّ دول الخليج بسياساتها ليست بعيدةً عن إيران حتَّى الساعة رغمَ ما يُشاهَد بينهما من جفاءٍ. كما أنَّ الدول العربية بشكل عام تقف ضدَّ الحركة الإسلامية وابنتها حماس. فاللجوء إلى إيران في هذا الشأن ماديّاً وحسبُ، قد يكونُ له مُسوِّغه.

وأنا لستُ مع الكاتب في معرض نُصحه الإخوانَ «بالابتعادِ عن إيران وعدمِ الانسياق وراء المزايدات الشعبية المؤدية للمواجهة مع اليهود التي لا أحدَ في عالمنا مستعدٌّ لها، فلننصرِفْ إلى تأمين الوظائف وتحسينِ الاقتصاد أوّلاً، وتأخيرِ قضية تحرير فلسطين والوحدة العربية وحتى الخلافة». وأقول: إنَّ هذا كلامٌ غيرُ مقبولٍ وفيه خطورة، إذْ ليس بالخُبز وحدَه كما قال المسيح يحيا الإنسان، كما أنّه لا تناقضَ بينَ السعي لتوفير الوظائف وتحسين الاقتصاد والعملِ على مقاومة المحتلّ!!

ومن الآراء التي قدَّمها الكاتب وبانَ مع الزمن خَطَلُها، إعظامه لدورِ بلاد الحرمَين في قضية سورية وربيعها، وتوقُّعه أنَّ نظام الأسد لن يتخلخل إلاّ بزحفٍ مشترك عليه من الشمال بقيادة الجيش التركي ومن الجنوب بقيادة الجيشَيْن: السعودي والأردني، وهو يرى أنَّ الروس لن يتدخّلوا في سورية وكذلك إيران، وستقفُ الولايات المتحدة مع السعودية في حربها على الأسد ونظامه!! والذي حصلَ أنه لم يدخل أحدٌ من الجيش السعودي أو الأردني إلى سورية، ودخلت روسيا علناً وبكُلِّ قوَّتها لتحمي الأسد كما دَخَلَتْ إيران. كُلُّ هذا مع سكوت أمريكا وعدم تحريكها ساكِناً.

وفي الختام رحم الله الصحفي التركي الأصل جمال خاشقجي، فكم دافع عن بلاده أرضِ الحرمَيْن الشريفَيْن وحُكمَها وسياسَتَها، بل إنّها الحلّ لقضايا العرب والمسلمين، ومع ذلك كان مصيره ما كان!! ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

المصدر: فلسطين الآن