الإثنين 19 أغسطس 2019 11:20 م

القلق الصامت.. سرطان الفكر المميت

الإثنين 06 مايو 2019 01:00 م بتوقيت القدس المحتلة

القلق الصامت.. سرطان الفكر المميت
أرسل إلى صديق

الغولي رشيد

القلق الصامت طرقه ملتوية، وخطورته درجات؛ تكاد تكون متقدمة على السرطانات العضوية المعروفة، لأنه صامت، لكنه قاتل. نعم؛ لأننا نحن جوْهر الفكرة والفكرة لا تموت. فكل شخص عليه أن يتحكم في قلقه بالطريقة التي تناسبه. وألا يسمح لأحد بالحكم على آليات التعامل التي سيتبعها في السيطرة على توتره، مهما كان وضعه الاجتماعي، ومهما كانت درجات علمه ومعرفته. فهناك دائما من اعتادوا ألا يرفضوا أي شيء، وكانوا بهذا يتحملون أمورا أكثر من طاقتهم، وهناك من تدربوا وتعلموا مبكرا؛ طرق الرفض الفعالة؛ طبعا بالتي هي أحسن، وأدركوا أن هناك معركة طبيعية مستمرة في التفكير بين رغبتهم في إسعاد أنفسهم، أسرهم والغير، وبين إمكانياتهم المحدودة والضيقة جدا في بعض الأحيان، لكن وعيهم هذا أوجد لهم منفذا يستطيعون من خلاله تهوية أفكارهم وطرد وساوسهم وتجديد روحهم وثقتهم في خالقهم.

ولهذا فالتفكير الجدي المتزن المنشود في النتائج التي نريد تحقيقها قد يكون مخرج مريح وفعال من فخ القلق، لأننا بمجرد التفكير في تحدي القلق وطرده من خيوط أفكارنا، نستطيع تقديم خدمة عظيمة لذواتنا، تكون ملموسة وظاهرة في التنظيم الجيد لأوقات راحتنا وتفكيرنا، وفي النتائج المراد تحصيلها، وذلك من خلال التركيز على العملية برمتها؛ أي على خط سيْر الحياة اليومية نفسها، بما في ذلك اختيار التفاصيل الضرورية، والمعلومات المطلوبة، بدلا من التركيز على الصورة الكلية الكبيرة لهذا القلق اليومي المعاش، التي يمكن أن تكون موترة ومرعبة. مستعينين باستراتيجيات رائعة محورها العمل على أن يكون لدينا دائما مخزون فكري مريح مما نحتاجه؛ يفوق بكثير احتياجاتنا اليومية المادية والمعنوية بصورة منتظمة، والعمل على ترسيخها حتى تصبح أولوية وعادة يومية.

هناك مستوى حقيقي وطبيعي مطلوب من القلق، يجب أن نسعى بكل الوسائل المتاحة والطرق الممكنة لتحقيقه والسيطرة عليه، إذا كنا حقا نريد أن نحيا حياة سعيدة، خصوصا في الظروف الصعبة الحالية، التي تتطلب قدرا كبيرا من التركيز، الوعي، الانضباط، الاتزان والمسؤولية؛ لتجنب الخطأ الذي ربما قد تكون له عواقب معقدة ووخيمة على الفرد والمجتمع.

إذا كنا نبحث عن تركيبة سحرية سريعة التحضير فلن نجدها أبدا في علوم التنمية، لأنها ببساطة غير موجودة من الأساس، بل كل ما هناك معلومات ونظريات علمية وفلسفية، يقتضي فهمها وقتا لا بأس به، ثم العمل على تطبيقها مباشرة بعد ذلك على أرض الواقع، في كافة مناحي الحياة، بكل مرونة وحب، مع الالتزام الحقيقي الدائم بقواعدها. عندها فقط نستطيع القول بأن هذه المعرفة أصبحت قادرة على لفت انتباهنا، والتغلغل المريح والفعال في جدور أفكارنا، فيتم تحفيزنا تلقائيا، عن طريق زرع بذور الشغف بداخلنا باستمرار، إلى أن نستفيق من سلبيتنا وسباتنا، فيشتعل الحماس من جديد، وتتضح الرؤية، وتتوفر الصرامة، وتتحقق الرغبة في المجازفة الفورية، فيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتغير، بقرارات فورية داخلية، يتم بموجبها تحويل جميع هذه المعرفة إلى مرونة سلوكية غير عادية، إذ مع مرور الوقت لا نستطيع الانفكاك عنها، لا على مستوى التفكير، ولا في الواقع. لأننا نسعى في قرارة أنفسنا إلى أن نصبح فكرة، والفكرة حتما لا تموت، حتى ولو أن العمر يمضي والحياة ثواني.

هذه العلوم كانت ولا زالت تنْقل لنا بكل أمانة المعرفة، الخبرة والواقعية في كثير من المجالات التي اكتسب أصحابها تجارب عالية من خلال ارتكابهم للعديد من الأخطاء؛ أو إن صح التعبير الاستراتيجيات الغير المجدية. فهي حتما ستساعدنا والأجيال القادمة على تجنب كما هائلا من التجارب الفاشلة والأخطاء القاتلة سواء في حياتنا الحالية أو المستقبلية. مما سيجنبنا الكثير من العناء والضغوط النفسية، كما سيوفر لنا طاقة جبارة، وجهد حقيقي، ووقت ثمين مشحون بالتركيز والإبداع في خلق فلسفة شخصية مستقلة تناضل من أجل التفوق والتميز. مبدؤها التدرج الحسن. والسعي الدؤوب وراء امتلاك حقيقة وواقع الأمور، لاسيما عندما يصبح الإنسان قادر على تصور أطوار ومراحل ولادة الفكرة الأساسية التي هي أساس كل الأفكار الفرعية التي سيقوم بإسقاطها على تجاربه اليومية، من خلال التصور الصحيح لمفاهيمها، والدقة والبراعة في فك رموزها وشفراتها.

وإلا فلن نقدر على تجاوز حتى قشورها الخارجية التي غالبا ما تصبح فقط عبارة عن نظريات متجاوزة، قيم وفلسفات غامضة. خصوصا بالنسبة للأشخاص الذين يريدون معرفة روابط الأفكار والتحكم فيها من خلال حضور دورة تكوينية واحدة، أو دورتين، أو من خلال قراءة كتاب أو كتابين. غير مدركين أن هذه العلوم برمتها ترتكز على التطبيق الفعلي المتكرر بممارسات واقعية، بصورة دائمة وحسنة، نظرا لخطورتها، وشدة تعقيدها. نعم هذه الممارسات هي من توجد العادات التي تعتبر المفتاح الفعلي، الأساسي والرئيسي لبوابة هذه العلوم.

إذن الريادة، النجاح، التميز، والتفوق كذلك درجات لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الاستراتيجيات الفعلية والواقعية، التي تسرعْ عمليات التخلص والخلاص من العادات القاتلة والكابحة للتقدم من جهة، والمبادرة إلى التطبيق المستمر للسلوكيات الجيدة، الدافعة للأمام والمحققة للريادة والازدهار، في حدود قدرتنا وطاقة تحملنا من جهة أخرى. لا سيما وأن الإقاع العام للحياة أصبح كالبركان المحموم، أما الناس فأضحت تشبه الطاحونة التي لا تتوقف أبدا.

إذن التعامل الدقيق مع هذه العلوم سيمكننا لا محالة من دراسة جميع المفاهيم المرتبطة بها وبالتالي العمل على تفكيكها وتنفيذها بشكل تدريجي مع التركيز على نقاط القوة وكيفية إرساء أسس أكثر مثانة للمستقبل اعتمادا على أسلوب عملي، تكلم عليه كثيرا وحاضر حوله جاك كانفيلد بأسلوب الوضوح غير عادي.  هنا سنتوقف قليلا ونضرب لكم مثال حي في العصامية، والسعي المستمر وراء تحقيق الهدف، مهما كانت الإمكانيات، وكيفما كانت البدايات، لأن المهم هي الخاتمة، لاسيما وأن المقياس الحقيقي هو مكان الوفاة، وليس مكان الولادة. أن نموت ونحن طالبين للعلم، خير من أن نموت قانعين بالجهل.

المصدر: وكالات