الإثنين 19 أغسطس 2019 12:18 ص

لهذا ينبغي أن تكون كاتبا أكثر منك قارئا!

الثلاثاء 14 مايو 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

لهذا ينبغي أن تكون كاتبا أكثر منك قارئا!
أرسل إلى صديق

أحمد بنعيسى

ليست الكتابة بالأمر الهين، يا له من تعبير سخيف، غارق حتى العنق في الابتذال، لو كنت كتبت "ليس عدم الكتابة بالأمر الهين" لكان لهذا الكلام بعض التزويق الذي يخالف المعتاد والمبتذل والمعروف جدا، في إمكان أي إنسان أن يجرد القلم من غمده ليقول: ليست الكتابة بالأمر الهين، ثم يمضي لا له ولا عليه، معنى هذا أنه لم يضف شيئا، ولا حتى مقدار حبة من جمال لما قيل عبر الزمن في موضوع الكتابة؛ بل في مُكنة أي محترفِ مهنة أن يرفع عقيرته ويقول: ليست التجارة بالأمر الهين... ليست النجارة بالأمر الهين... ليست الحدادة بالأمر الهين... فهل يمكن لنفر من الناس أن يعترض على قول التاجر والنجار والحداد؟ إذن، فما الذي يتوجب الإقدام على فعله؟ أقصد ما الخطة اللازمة التي ينبغي للإنسان السير على هداها ليصبح كاتبا؟ سؤال صعب، لكن أظن أن للمسألة جانبان:

الأول، أن تكتب كثيرا، كثيرا جدا، بعبارة أخرى أن تُسَوِّدَ أوراقا بعدد الرمل والحصى، وأن تكون صاحب هاجس غريب، كأن يمرضك أن ترى فراغا دون تسويد، وكأن تعيد كتابة نص واحد عشرات المرات، مؤمنا إيمانا عميقا أن إعادة الكتابة كتابة. وبالجملة أن تكتب أكثر مما تقرأ، كما قال الباحث المغربي محمد مشبال في إحدى الندوات التي عقدت لتكريمه، قال: "ما أذكره في أيام الطلب، أني كنت كاتبا أكثر مما كنت قارئا"، عندما التقط سمعي هذه القولة الجميلة، حفظها في الصندوق الأمامي من ذهني، ومن ثم أغلق عليها، فهي لا تنفك ترن رنينا داخل الصندوق كلما شعرت بالوهن ينتاب علاقتي بالكتابة. ذلك أننا في الواقع نكون قراء أكثر مما نكون كُتابا؛ بل الكثير منا يقع ضحية خدعة ذهنية، يقول: في ريعان شبابي سأستغل الوقت للقراءة، بينما سأوقف أيام نضجي على الكتابة، فمثلا إذا كنت سأحيا ثمانين سنة، فإني سأقرأ طيلة الأربعين سنة الأولى، بينما سأجعل الأربعين الأخرى حكرا على الكتابة!

وهذا كما قدمت خدعة ذهنية، ومراوغة مكشوفة المعالم، وخطة تحمل بذرة الفشل في باطنها، فالقراءة والكتابة نشاطان متوازيان، يسيران جنبا إلى جنب وفق خط زمني موحد، ولا يمكن فصلهما، لذلك فإن غالب الكُتاب الذين عانقوا المجد، استهلوا مسيرتهم مع القلم في سن مبكر، فالكتابة ليست وحيا، أو إملاء من أحدهم، بحيث لا يسعك تجاهه إلا أن تخطه كما تتلقاه؛ بل هي ممارسة وتعثر دائب، الكتابة معادلة نتيجتها ليس الفشل، بل الكثير من الفشل، ولتقريب الصورة، يمكن القول إن الكتابة أن تكتب أحد عشر نصا، تفشل في عشرة نصوص منها، ويحالفك التوفيق في واحد منها، فالكتابة حيرة قاتلة، بحيث ستجد نفسك في أحايين كثيرة في متاهة لا خلاص منها، فتَعْتم في وجهك السُّبل، وتظل في تيه لا تدري الوجهة التي ينبغي عليك أن تتجه بقلمك نحوها، وفي غياب الإرشاد، ستقف على حافة اليأس مرات عديدة، ستشعر أنك مقصر دوما، وأنه لا يمكنك أن تصل أبدا، ذلك عجز رهيب، كفيل بأن يقضي على طموحك ضربة لازب، غير أنك -وياللعجب- لن ترخيَ العزم، ولن ترفع رايات الاستسلام؛ بل ستعود بعد كل وقفة على حافة اليأس أقوى وأقوى... إن شعور القوة هذا ينبع من يقين لا بد أن يداهمك وأنت على الطريق، حيث سترضى لنفسك بأن تكون كاتبا مغمورا، كاتبا لا يقصد بكتاباته أشراف القبيلة وأسياد القوم، بل جل همه أولئك المغمورين العاديين، ما أجمل هذا! كاتب مغمور، يكتب لقراء مغمورين، كاتب عاد، يكتب لعادي آخر مثله..

أما الجانب الثاني من المسألة، فيكمن ببساطة في التمرن الدائب على أحد الفنون الكتابية الذي يستهويك، فإن كنت تريد مثلا أن تكون قاصا أو روائيا، فلا مناص لك من التمرن على الحكي، الحكي الكثير، مازجا بين الحقيقي والخرافي، متخذا من الحياة وما يعترض سبيلك من مواقف وقصص ومشاهد ورؤى مادةً غنيةً للتدرب على السرد، ولا يهم أن تكون هذه الأمور واقعية أو فانتازية خيالية تخييلية، كما لا يقع في الأهمية أن تكون على جانب عظيم من الخطورة، أي أنك لست ملزما بأن تكتب عن الخوارق أو الخيال العلمي أو الجن والعفاريت والمَرَدَةِ، إذ ما هو على سبيل عظيم من الأهمية في هذه المرحلة أن تُسَوِّدَ الكاغد الكثير سردا، تُقْدِمُ على ذلك والأمل يحدوك ليوم تفيق فيه على نفسك، فتجدك قادرا على كتابة عمل يصلح لِأنْ تتعاوره أعين القراء، وغنيا بما يكفي لأن تتناوله أقلام النقاد بالدرس مبرزة مواطن القوة ومواطن الضعف فيه، فإن حصل هذا، فهي الأمارة الأولى في أنك قد خطوت الخطوة البِكر لمعانقة المجد.

لكن هل هذا ممكن؟ هل يمكن أن تكون كاتبا أكثر منك قارئا؟ هل يمكن أن تشرق عليك شمس يوم جديد تكون قد كتبت فيه عملا جيدا، مجسدا بذلك ثمرة صبرك وحديد مصابرتك، شاهدا على موهبة شيدتها بالعمل الجاد، وبصبر على النصوص لم تكن توهنه العوائق ولا تهزه الملمات؟ في الواقع ذلك ما ستعرفه أنت وحدك بعد مرور عشرات السنين من قراءتك هذه الخاطرة.

المصدر: وكالات