الثلاثاء 20 أغسطس 2019 12:32 م

أيها الفايسبوكيون احزموا حقائبكم!

الخميس 23 مايو 2019 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

أيها الفايسبوكيون احزموا حقائبكم!
أرسل إلى صديق

لحبيب آيت أ صالح

في عالم الفايسبوك تدور العديد من الحكايات، وتحاك العديد من القصص، وتروى العديد من الأخبار، وتُطرح العديد من الإشكاليات، فبقدر ما أضحى الفايسبوك متنفسا وملهى، يقضي فيه الناس معظم وقتهم في التنقل بين المنشورات، والتفاعل معها ثم التعليق عليها، مع إمكانية مشاركتها، بنفس القدر أصبح الفايسبوك مكانا لدراسة طبيعة العقليات التي يتشكل منها المجتمع، ولعل الأغلبية الساحقة باتت تعرف عالم الفايسبوك وتتوفر على صفحة خاصة فيه، وتسبح في معلوماته ومنشوراته، وتبدي آراءها من خلال التعليقات والمشاركات، وبالتالي أصبح هذا العالم عالما جديدا يعيش فيه الناس بشكل افتراضي، يكاد يكون أقرب إلى الواقع، ذلك أن ما يتم نشره من طرف الفايسبوكيين يمكن اعتباره بمثابة تعبير عن طبيعة تفكير شريحة مهمة من المجتمع المغربي، ومن خلال كل ذلك يبدو ممكنا استكشاف طبيعة العقليات التي يتشكل منها هذا المجتمع، ورغم غرابة هذا التحليل، إلا أنه قد يكون صائبا في استكشاف عالم الفايسبوكيين.

من خلال هذا التحليل الفايسبوكي، حاولت دراسة عالم الفايسبوك في المجتمع المغربي، وذلك من أجل فهم ممكن لنمط التفكير والنظرة والعقلية المغربية، وإذ يبدو الأمر صعبا في مسألة التوصل إلى نتائج مقبولة، فإنني سأحاول إبراز طبيعة العقليات الفايسبوكية المغربية، وهي محاولة انطلقت فيها من المنشورات التي يتشاركها الفايسبوكيون، ومن تعليقاتهم، والصفحات التي يتابعونها، بالإضافة إلى المجموعات التي ينضمون إليها، والمدة التي يقضيها المدمنون في هذا العالم الافتراضي. ولقد اخترت فيه العينات التي يمكن أن تغني هذا التحليل الفايسبوكي، وهي العينات التي تقضي معظم الوقت في هذا العالم، مع العلم أنني افترضت مسبقا أن الاهتمام بالمواضيع التافهة، هي التي تشغل تفكير هؤلاء الفايسبوكيين، ويبقى كل ذلك مجرد وجهة نظر.

يمكن الحكم مسبقا بأن هذا التحليل لا يشمل الجميع، فقط بعض الفئات التي باتت تعيش في الفايسبوك أكثر من الواقع، ومن خلاله يمكن استكشاف طبيعة بعض العقليات المغربية، هذه العقليات تحمل نمط تفكير معين، وتملك نظرة معينة إلى الأمور وإلى الحياة، وهكذا توصلت في هذه الدراسة بدايةً إلى أن عالم الفايسبوك يبرز بوضوح مدى تخلف مجتمعنا، هذا التخلف تفسره المنشورات والتعليقات والمتابعات، وعن قرب، فأغلب المنشورات تعبر عن تفاهة هذا المجتمع، إذ يطغى الدين والرياضة والأكل على المنشورات، هذا إذا اعتبرنا أن المواضيع الدينية تأخذ النصيب الأكبر في رمضان، ويبدو من ناحية أخرى أن هناك من يؤمن باكتساب حسنات على الفايسبوك، وذلك عن طريق مشاركة منشور ديني معين مع أكبر عدد ممكن من الأصدقاء، وإجمالا يتفاعل الناس كثيرا مع المنشورات الدينية بالمقارنة مع المنشورات الأخرى، وإذا كان الأمر يؤكد دائما أن نقطة ضعف شعوبنا هي الدين، فهذه حقيقة لا مفر منها، ومن أجل الدين تُستخدم كل الوسائل، رغبة في تحصيل الحسنات، لكن الأمر عندما يطغى على الحياة، يمكن أن يغير معنى الحياة، ويدفع بمن يعتقد ذلك أن الحياة لا تستحق أن تُعاش.

بعد الدين تأتي الرياضة والأكل، ضمن المواضيع التي يهتم بها الفايسبوكيون المغاربة، وإذا كان الدين أفيون الشعوب بتعبير كارل ماركس، فإن كرة القدم يمكن اعتبارها بنفس الدرجة تقريبا في العصر الراهن، فإذا كانت المقاهي تمتلأ عن آخرها أثناء مباريات كرة القدم، فإن المنشورات ذات نفس الصبغة تأخذ حيزا أكبر لدى الفايسبوكيين. كما يتجلى بشكل كبير اهتمام المغاربة بالأكل في شهر رمضان، إذ يتشاركون عبر الفايسبوك صور لمأكولات ومواضيع ذات علاقة بالأكل، وهذه الأمور تؤكد على أن اهتمامات الشعب الفايسبوكي المغربي تافهة، فهي لا تتجاوز أمورا ليس لها أي معنى لو نظرنا إلى الأمور من زاوية نظر عقلانية، فما يتم تداوله على الفايسبوك، يعبر عن شريحة مهمة من المجتمع المغربي، ولعل الأمر يبرز أن الاهتمام بأمور أهم وأرقى لا توجد ضمن اهتمامات هذه الفئات، او أنها لا تشغل بالها بالتفكير في المسائل التي من شأنها إرهاق العقل بالتفكير.

لعل الاهتمام بالمواضيع الثقافية، ومتابعة الصفحات التي تهم هذا الشأن، بالإضافة إلى متابعة صفحات الأخبار العالمية، لا يكترث له الأغلبية، فالنخبة الفايسبوكية هي التي تهتم بمجالات الثقافة والأخبار، وتتفاعل بشكل قليل مع هذا الأمر، مما يؤكد على أن أغلبية المغاربة لا يبالون بتثقيف أنفسهم، وإذا كان هذا الأمر يفرض نفسا لا تمل من القراءة، وعقلا يبحث عن المعلومات بشغف، فإن غالبية العقليات المغربية ما تنفك تنفر من كل ما له علاقة بالثقافة، فكان طبيعيا أن تجد متابعي الصفحات الثقافية قليل جدا، بالمقارنة مع متابعي الصفحات التي تهتم بالأمور التافهة، ومن ذلك نستنتج أن الاهتمام بالمعرفة والثقافة ليس من أولويات العديد من المغاربة، ولعل البيئة المغربية لا تشجع على هذا الأمر، لكن ينبغي تدريب النفس على الاهتمام بما يمكن أن يسعف المرء في التداوي من التفاهة.

أيها الفايسبوكيون، كفاكم تفاهة ومضيعة للوقت، احزموا حقائبكم من عالم الفايسبوك، واهتموا بتغذية عقولكم أكثر، لعلكم تستفيقون من الغيبوبة التي تُدفعون إليها، حاولوا أن تتأملوا في أوضاعكم وسط هذا العالم الممل، تأملوا بعقولكم لعلكم تجدون مخرجا من أزمتكم العقلية والثقافية، فعالم الفايسبوك مليء بما يكفي من التفاهة، ولن يفيدكم العيش فيه في شيء، كونوا واقعيين أكثر حتى لا تفقدوا ذواتكم الضائعة في هذا الوجود، تجنبوا أن تصيروا مدمنين، لأنه حينئذ سيكون من الصعب عليكم أن تخرجوا مما تورطتم فيه، تريثوا في اختيار الأمور التي من شأنها أن تسعف ضعف عقولكم، وتريثوا قبل أن تسقطوا فيما لا يحمد عقباه وسط عالم لا يغني ولا يسمن من جهل.

المصدر: وكالات