الإثنين 09 ديسمبر 2019 04:43 ص

قفص التسويف.. هكذا يصبح الإنسان خلف قضبانه!

السبت 25 مايو 2019 12:20 م بتوقيت القدس المحتلة

قفص التسويف.. هكذا يصبح الإنسان خلف قضبانه!
أرسل إلى صديق

إسماعيل المسكين

دائما ما كنا نسمع عبارة "لا تأجل عمل اليوم إلى الغد" تتردد على مسامعنا منذ الصغر، وكنا على دراية بمفهومها والذي يقتضي بإنجاز كل عمل في وقته دون الشروع في المماطلة وتأجيله إلى وقت لاحق. لكن ما كنا نجهله أنداك هو فقه الأولويات وكيفية التعامل معها، ثم إنجاز أعمالنا وفقها. فهناك أمور تدخل في خانة الأولويات ولا يجب العزوف عن إنجازها أو تأجيلها بأي حجة كانت. فالتسويف إذا صح تعريفه هو فيروس من فيروسات العصر الحالي، حيث يقضي على كل تخطيط أو برنامج يومي لإنجاز المهام الواجبة. فيشرع في الانتشار شيء فشيئا قد لا نشعر به في البداية إلى أن يصبح الإنسان خلف قضبانه، فيصير عادة يومية ونمط حياة عند البعض وهذا أسوء ما يمكن أن يحدث مخلف ورائه مزيذا من المشاكل وضغوطات الحياة اليومية. ولكي يهرب الإنسان من كمية تلك الضغوطات المتراكمة، يمني نفسه بآمال زائفة تتخللها الكثير من الأعذار التي تزرع في النفس تلك الطمأنينة المؤقتة بأن الغد سيكون أفضل وسيتم فيه إنجاز كل ما سلف.

ويمكن القول أن هناك من التسويف ما يمكن إعتباره فعل محمودا، كتأجيل الأمور الثانوية والغير العاجلة إلى وقت لاحق، لكن ما إن يتجاوز التسويف عتبة الأمور المهمة والتي لها أولوية الإنجاز فهنا يصبح إدمان التسويف عادة تدق نقوص الخطر على سيرورة مشاغلنا وأمور حياتنا. ولعل من أهم الأمور التي تدفع بالإنسان إلى ممارسة أسلوب المماطلة بالدرجة الأولى تلك الأعمال الغير المرغوب فيها والشاقة نوعا ما، كمذاكرة الدروس لإجتياز الإمتحانات أو الإستعداد لإجتياز مباريات ولوج معاهد أو جامعات معينة... كل هذه الأمور تندرج ضمن قائمة الأولويات وبالتالي إنجازها يضمن التقدم بخطوات نحو النجاح، لكن النفس المتشبعة بالكسل والخمول تحول دون ذلك. فتجد الإنسان في دوامة من الأسئلة عن الأسباب التي تدفعه إلى المماطلة والتسويف رغم كل الأضرار المترتبة عنه، وما الذي يدفعه إلى تأجيل بعض الأمور المهمة والتي لها دور كبير في تقدمه وإحداث التغيير المراد في حياته. وفي مقالي هذا سأحاول التطرق إلى أربعة أسباب تعتبر أساسية في حلقة المماطلة وتباعياتها، ثم إقتراح بعض الخطوات التي قد تساعد على تجنب هذه العادة المذمومة.

فأول أسباب فيروس التسويف هو الكسل المزمن، فعندما تكون ملزما بإنجاز بعض المهام فتواجه نفسك دائما بكلام من قبيل "أنا الآن غير مستعد لإنجاز هذا العمل، إذا لما لا أؤجله إلى وقت لاحق؟" فتقع في خطأ ترويض النفس على التسويف دون أن تشعر بذلك، حتى يصبح عادة تمارسها خاصة أمام كل الأمور الصعبة أو التي تتطلب مجهود كبير. وثانيها الخوف من المجهول والقلق بإستمرار من عدم توافر المهارات والموارد التي تمكن من إنجاز المهام الواجبة على أكمل وجه، فكل أمر مبهم لا نعرف عنه شيء يخلق نوع من التوثر إذا ما قررنا إنجازه، ويبقى حل هذه النقطة كامنا في البدأ بالعمل على ذلك الأمر بكل بساطة وبالإمكانيات الموجودة دون تضخيم فما إن تبدأ بالتنفيذ حتى تلاحظ أن تلك المخاوف تتلاشى مع كل خطوة تنجز فيها تقدما.

أما السبب الثالث ويبقى من بين الأمور الأكثر تشجيع للإنسان على المماطلة والتأجيل، تلك الأعمال الكبيرة والصعبة وبدل أن يقسمها إلى مهام صغيرة تنجز على مراحل، يجد أقرب عذر يلتمس به التأجيل هو أن تلك الأعمال تحتاج وقت كبيرا وتحتاج جهدا وتركيز أكبر، وبهذا يسعى إلى تلك المثالية في الإنجاز التى غالبا ما لا تتحقق جراء كثرت التأجيل. ويجدر الذكر أن من بين الأسباب التى تحتل قائمة التسويف تلك المتعلقة بإنتظار الوقت المناسب والظرف المناسب وصفاء الذهن لإنجاز وإتقان مهمة ما، ولعل السبب الذي يدفع إلى التشبت بهذه الأعذار هو أن الشخص الذي يمارس التسويف لا يملك مهارات إتخاد القرار، وبذلك فهو يفضل التأجيل حتى يتجنب أن يخطأ، وكل هذه الأمور تتوالى وتتعاقب دون أن تتحقق جميعها، فتبقى كل تلك الأعمال الرهينة بتحقق هذه الظروف معلقة. كانت هذه بعض الأسباب التى تدفع بالإنسان إلى ممارسة عادة التسويف والمماطلة. ولكي تتخلض من هذه العادة وجب إتباع بعض الخطوات الهامة التي تساعد على كسر قضبان التسويف والإنطلاق نحو ما تصبو إليه نفسك بخطوات ثابتة.

- أول ما يجب أن تقوم به هو الخلو بنفسك وإعادة هيكلت أفكارك ثم النظر في ما هي أكبر العقبات التي تحول بينك وبين تحقيق أهدافك؟ ومحاولة إيجاد حلول عملية بسيطة لاجتيازها.. وبالطبع تختلف العقبات من شخص لأخر وغالبا ما تكون عقبات داخلية نابعة من الشخص نفسه.

- التعود على إعداد قائمة بكل الأمور الواجب إنجازها ثم وضعها في مصفوفات حسب أهميتها وأولويتها ووضع وقت محدد لإنهاء كل مهمة، وهكذا تمنح عقلك فرصة التخلص من كومة المهام المتراكمة دون توجيه سليم.

- يجب أن تواجه نفسك وتسألها ما المشكلات التي أقع فيها حين أؤجل كل الأعمال المفروض إنجازها؟ ثم أكتب كل تلك المشكلات في قائمة وتمعن فيها جيدا. هل تستطيع فعلا أن تتحمل ضغط العيش وسط كل تلك المشكلات بشكل روتيني ؟ إجابتك على هذا السؤال هو الحافز الذي سيدفع بك إلى التعجيل بوضع خطط واقعية للهروب من تلك الضغوطات ولا تنسى أن تمنح نفسك مكافأة عند الانتهاء من العمل على كل مهمة.

- وأفضل طريقة للتعامل مع كل المهام التي تؤجلها دائما هي أن تبدأ بالعمل عليها فورا دون تردد وأذكر في هذه النقطة طريقة مبتكرة إكتشفتها المحامية الأمريكية ميل روبنس والتى أصدرت بصددها كتاب تحت عنوان The 5 Second Rule أو قاعدة الخمس ثواني، تؤكد في كتابها هذا أنها اكتشفت بالصدفة حيلة من شأنها مساعدة أي إنسان يسعى إلى التغلب على مخاوفه وكسله عندما يهم باتخاذ أي قرار أو حتى عند القيام بالمهام اليومية الروتينية، وتتلخص فكرتها في أنه عندما يشعر الإنسان بالرغبة في القيام بنشاط ما يجب عليه أن يبدأ بالعد التنازلي من 5 4 3 2 1 ثم يتحرك فورا.

وشرحت بالتفصيل المصدر الذي مكنها من إكتشاف هذه الطريقة وقالت أنها في إحدى الليالي قبل أن تخلد إلى النوم شاهدت في التلفاز عملية إطلاق صاروخ أجرتها وكالة ناسا، حيث بدأ العد التنازلي من 5 إلى 1 أعقبه انطلاق الصاروخ وما صاحبه من انفجار هائل، فترسخ المشهد في عقلها الباطن، وفي صباح اليوم التالي عندما دق جرس منبهها وجدت نفسها بشكل تلقائي تعد تنازليا 5 4 3 2 1 ثم نهضت من الفراش بنشاط لم تعتاده من قبل. فوجئت روبنس من القوة الهائلة التي منحها إياها هذا العد التنازلي ومن كم النشاط الذي اكتسبته فقط في 5 ثواني، رغم أنها اعتادت لسنوات طوال الضغط على زر الغفوة أو الـ Snooze عندما يحين موعد استيقاظها فتواصل نومها، وهو ما كان يدخلها في حسابات المشاكل المتعلقة بواجباتها العملية والأسرية.

وخلال بحثها المطول الذي أجرته حول السر وراء فعالية قاعدة الخمس ثواني، وجدت أنه عندما يبدأ الإنسان العد التنازلي من 5 إلى 1 ويتحرك للإنجاز أو يقول ما يريده فإنه بذلك يقوم بتعطيل عمل الخدعة التي ينفذها العقل، والتي يظهر للإنسان من خلالها مخاوف وأسباب التردد والقلق مما هو مقبل على إنجازه، بهدف أن يبقي الإنسان في منطقة الراحة أو الـ comfort zone الخاصة به. نجد أن بساطة القاعدة هي سر قوتها فعلى الرغم من أنها لا تستغرق سوى 5 ثواني فقط ثم تبدأ في التحرك بعدها، لكنك ستجد نفسك تتصرف حينها وفقا لأهدافك وقيمك العليا في الحياة مثل الرغبة في النجاح والتقدم والإنجاز وغيرها، وليس بناء على مخاوفك وعيوب شخصيتك والمهارات التى لا تمتلكها.

وتذكر دائما أن إنجاز مهام عديدة جيدة خير من محاولة إنجاز مهمة واحدة مثالية. وفي ختام هذا المقال أصيكم ونفسي أن لا تجعلوا من التسويف أسلوب حياة وكأن الوقت يداعبكم هامسا في أذنكم أن لا تقلقوا وأثقلوا ما شئتم فأنا هنا بإنتظاركم، متناسين أننا نعيش عصر السرعة، سرعة الوقت وسرعة الإنجاز والتنفيذ وسرعة إقتناص الفرص فإحرصوا على أن لا يفوتكم قطار الإنجاز، وأن لا تتركوا مجال للمماطلة وأخواتها في حياتكم. وكافحوا للتخلص من فيروس التسويف لأن هدفه الوحيد هو هدم كل طموح إلى الوصول لتحقيق المبتغى ويقدف بالإنسان في دوامة التأجيل لا يجد سبيل للهروب منها.

المصدر: وكالات