الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 05:01 ص

محمد مرسي.. الرئيس الذي تخلى عنه الجميع

الإثنين 24 يونيو 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

محمد مرسي.. الرئيس الذي تخلى عنه الجميع
أرسل إلى صديق

محمد سالم

بمجرد إعلان وفاة الرئيس رأينا إجماعا شعبيا غير مسبوق على شخص محمد مرسي ورمزيته باعتباره أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه أين كان هؤلاء طوال ست سنوات تركوه فيها وحيدا حتى تدهورت حالته وانتهت بوفاته بطريقة مأساوية؟ لقد وصل مرسي إلى الرئاسة على أكتاف الثوار وجاءت به الرغبة بالتغيير وأصوات القهر جراء الفساد والفقر، لكن على ما يبدو أن الأبيات التي كانت آخر ما قال لامست مشاعر الحزن في داخه والشعور بالخذلان وخيبة الأمل.

بلادي وإن جارت علي عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا علي كرام

لو تكلمنا بالمنطق قليلا وابتعدنا عن العواطف قليلا أيضا لرأينا بأن السيد الرئيس لم يقرأ الشعب المصري قراءة كافية ووافية، فلم يعرف بأن شعب تشرّب عقود من العبودية والتبعية منذ العهد الملكي إلى الحكم العسكري حكم الحديد والنار، وكما غاب عنه أيضا أن الجماعة التي يسند ظهره عليها ليس لها أي خبرة في ميادين السياسة ودهاليز العمل المؤسسي فالنظرة في عقولهم هي ذاتها التي صوروها للشعب نظرة طوباوية تستند إلى أحلام وردية رسمها حسن البنا في كتبه ونسوا أن مصر التي حُكمت منذ ثورة الضباط الأحرار إلى ما قبل عهد ثورة يناير حكماً عسكري رزخت تحته الدولة تحت "البيادة" فلا صوت يعلو فوق صوت العسكر، وأحزاب يسارية معارضة قررت تغليب الخصومة على مصلحة الشعب والوقوف ضد شخص الرئيس بسبب خلفيته الحزبية.

مرسي الذي زار دول العالم الديموقراطي ووضع هدف نقل التجربة الفريدة إلى مصر وجعلها دولة عربية يُنظر إليها بعين الاحترام مثل النموذج الماليزي أو التركي لم يستطع أن يقرأ وهو القارئ النهم والدارس في الغرب في أفضل جامعات أمريكا بل وعجز عن فك طلاسم الدولة العسكرية التي لا يمكن أن تُحكم بالقوانين المدنية بمجرد الإرادة، فلو قارنا الفترة التي استلم فيها أردوغان مقاليد السلطة تحت ظروف مشابهة للظروف التي حكم فيها مرسي فقد جاء بعد أعوام من الحكم العسكري والذي قامت سياسته على محو الهوية التركية الإسلامية وإلباس الأتراك لباس الثقافة الغربية وترسيخ معنى العصبية تجاه كل ما هو ليس تركي رايناه يتعاطى بحكمة وحذر مع الأحداث التي تحيق به واندمج مع نظام العلمانية التي تتطوق عنق المجتمع، كل هذه الصعوبات استطاع أن يتغلب عليها أردوغان بقليل من الدهاء وكثير من حسن الإدارة والتصرف والاندماج مع المجتمع التركي وجعله أنموذج ناجح لكل من يحاول الخروج من ظلمات الفقر إلى نور الحرية والتطور والتقدم.

في البداية وبعد تحقيق المراد وكأي ثورة ستجد تلك الفئة المتشائمة التي ترفض التسليم بنجاحها وستعمل على التشكيك بقدرات قادتها ولا أقول أنها تعمل على إفشالها لكنها سترفض المشاركة في إنجاحها، لذلك كان على الرئيس مرسي أن يدرك بأن العمل الأول يجب أن يكون كسب القلوب وكسر الحواجز التي بنيت باسمنت مسلح وهدمها بمعول العمل والصبر والتأقلم مع الحوادث وعدم الانجرار خلف المشاعر، وهنا أيضا نأخذ على الرئيس مرسي بأنه أتخذ قرارا بقطع العلاقات مع الشقيقة سوريا وليس هذا وحسب بل ورأينا الدعوات من على منابر مساجد القاهرة تنادي بالجهاد في سوريا، أيضا بادر الرئيس إلى استخدام لهجة تهديد تجاه إسرائيل التي لا يختلف كل حر أنها عدو لنا وأن دماء الشعب الفلسطيني لا يمكن المساواة عليها، لكن وبالرجوع إلى تجربة أردوغان نرى أن التصعيد الكلامي لم يكن إلا بعد أعوام استقر له الأمر في الرئاسة كما حافظ على مصالح تركيا الاقتصادية مع إسرائيل، لقد وضع مرسي حلفاءه في صف أعداءه عندما قرر الانحياز بطيش إلى جانب الشعوب وترك أعداءه يتعالى أصواتهم بدعوى حرية الإعلام.

لقد ترى محمد مرسي وحزبه صورة ناصعة إنسانيا لكنها باهتة سياسيا ونموذج ضعيف في إدارة الدول وتسيير الحياة العامة، في حين أن سيناريو مندريس الذي تشبه مراحل تقلده للسلطة وعزله ثم أعدامه مرحلة حكم مرسي، هذا السيناريو الذي يفترض قدوم أردوغان مصري ما بعد العسكر يبدو بعيدا ذلك أن البنية السياسية والاجتماعية المصرية تختلف عن التركية في كثير من الأمور؛ فالطابع العربي والثقافة الإسلامية سيفرض على الغرب رفض أي قبول بديموقراطية عربية بخلاف الهوية العلمانية التركية، ناهيك أن الأنظمة والجيوش ثبت ارتباطها الوثيق بل التبعية إن صح التعبير بالأنظمة الغربية، كما أن المجتمع العربي في المشرق العربي على الأقل يتحمل جزء من حالة الضعف التي لا تبشر بفرج قريب بسبب قلة ثقافته ووعيه وعدم انصاف ثوراته والوقوف في منتصف الطريق وعلى عكس ذلك نرى الوعي والسير بخطوات وإن كانت متثاقلة لكنها ثابتة نحو نيل الحرية والديموقراطية المنشودة في المغرب العربي.

لقد عاش محمد مرسي حالة من الوهم جعلته ينظر بالواقع نظرة تفائلية أنسته بأن الواقع مختلف تماما وأن ما جاء به إلى السلطة هي ثورة الجياع والفقراء والبسطاء ولا يمكن بأيام أو أسابيع تحويلهم إلى أغنياء وأصحاب نظرة فوقية على الباطل ونسي حالة القهر والظلم التي مروا فيها، كما أن اللحظات الخداعات التي عاشها الدكتور مرسي تمثلت بعد عزله بانقسام الإسلاميين الإخوان والسلفية خصوصا الذين اختلفو وانقسمو وتبدلت مواقفهم، إضافة إلى معارضة يسارية فَجَرَت في الخصومة حدّ أنها انكرت ما قامت لأجله الثورة ورفضت السير في طريق الديموقراطية فجعلوه لقمة سهلة للجيش الذي امتطى شعبا رفض أن يكون وفيا للثورة وقبل على رئيسه أن يقع في الأسر ثم عاد ليندب الفقر وكأنها شمس شتاء أو سحابة صف جعلت الناظر إليها يصدق ما رأت عيناه، فماتت آمال كبرت في العقول وضحكت لها الأفئدة وبكت لها العيون.

المصدر: فلسطين الآن