السبت 17 أغسطس 2019 08:03 م

رويترز: الإمارات تخلت عن البشير فسقط أمام احتجاجات الشعب

الخميس 04 يوليو 2019 10:07 ص بتوقيت القدس المحتلة

رويترز: الإمارات تخلت عن البشير فسقط أمام احتجاجات الشعب
أرسل إلى صديق

مساء العاشر من أبريل/ نيسان، زار صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني، الرئيس عمر حسن البشير في قصره؛ لطمأنته أن الاحتجاجات الشعبية لا تشكل خطرا على حكمه.


فعلى مدى أربعة أشهر، ظل آلاف السودانيين يخرجون للشوارع في مظاهرات، مطالبين بالديمقراطية، وإنهاء الأزمة الاقتصادية.

وقالت أربعة مصادر، حضر أحدها ذلك اللقاء، إن قوش أبلغ الرئيس، الذي كان من أقدم الحكام في العالم العربي، أن اعتصام المحتجين خارج مقر وزارة الدفاع القريب من القصر سيتم احتواؤه أو سحقه.

ودخل البشير فراشه لينام مرتاح البال. وعندما استيقظ بعد أربع ساعات، أدرك أن قوش خانه. كان حراس القصر قد اختفوا، وحل محلهم جنود من الجيش النظامي. وانتهى حكمه الذي استمر 30 عاما.

وقال أحد أفراد الدائرة المقربة من البشير، كان من عدد يعد على أصابع اليد الواحدة ممن تحدثوا مع البشير في تلك الساعات الأخيرة، إن الرئيس ذهب لأداء الصلاة. وقال هذا المصدر لرويترز: "كان ضباط الجيش في انتظاره عندما أتم صلاته".

أبلغ الضباط البشير أن اللجنة الأمنية العليا المؤلفة من وزير الدفاع وقادة الجيش والمخابرات والشرطة قررت عزله، بعد أن خلصت إلى أنه فقد السيطرة على البلاد.

يشير دي وال إلى أن "المجلس العسكري الانتقالي مثل عصابة تضم الجنرالات، لكن الرجل الذي يمسك بالسلطة هو حميدتي، البالغ من العمر 45 عاما، الذي كان راعيا للإبل، وتحول إلى قائد مليشيا من أبعد أطراف السودان في دارفور، وكان صعوده هو التتويج المنطقي للأربعين سنة الماضية من السياسة السودانية".

ويبين الباحث أنه "من خلال التحولات والانعطافات في السياسات السودانية، والتحولات بين الأنظمة العسكرية والأنظمة المدنية في ثمانينيات القرن الماضي، والأشكال المختلفة لنظام البشير منذ عام 1989، كانت هناك ثلاث حقائق سياسية متسقة".

ويلفت دي وال إلى أن "الحقيقة الأولى هي أن القوات العسكرية تسلم حروبها لمتعهدين، ففي الجيش السوداني النظامي ينحدر الضباط من النخبة الاجتماعية السودانية، وبدلا من إرسال وحداته لتحارب حروبا خطيرة وطويلة ضد المتمردين تبعد مئات الأميال، كان دائما يفضل تسليح المليشيات القبلية للقيام بالعمل القذر، في الوقت الذي يركز فيه الجيش على الحصول على الدبابات والطائرات لبناء قلعة منيعة في الخرطوم -المقر ذاته الذي تمت محاصرته من متظاهرين سلميين في نيسان/ أبريل- وكانت المليشيات القبلية هي المسؤولة عن المذابح والاستعباد والعنف الجنسي والاستغلال والنزوح القهري والتجويع". 

وينوه الكاتب إلى أن "تلك المليشيات أصبحت بقوة من يرعاها، فمثلا فقد السودان السيطرة على الأقاليم الجنوبية في عام 2005 عندما انشقت المليشيات، التي قام الجيش بتسليحها لإبقاء السيطرة على تلك المناطق، وانضمت إلى جيش التحرير الشعبي السوداني، القوة الانفصالية التي شكلت في النهاية الجيش الرسمي لدولة جنوب السودان بعد عدة سنوات، فقد وعدتهم قيادات جنوب السودان بمكافآت أكبر ونصيب أكبر من دخل النفط".

ويفيد دي وال بأن "مليشيات الجنجويد التي تم تسليحها لقمع إقليم دارفور المضطرب، تحولت من إرهاب المدنيين إلى مضايقة الحكومة، فبعد عدة سنوات من مذابح المدنيين في 2003 و2005، قام بعض قيادات المليشيات بالتمرد بحجة أنه تم استغلالهم -تم دفعهم للقتال دون أن تدفع مستحقاتهم ثم اتهموا بارتكاب الجرائم التي أمرت بها الخرطوم- وكان حميدتي واحدا من تلك القيادات، وتفاوض على تحالف مع ثوار دارفور، وعندما واجه البشير خسارة محتملة وشيكة للإقليم عرض عليه صفقة ليعود إلى صفه، فعرض عليه رتبة لواء في القوة شبه العسكرية وأن يدفع له مبلغا جيدا من المال ودفع رواتب جنوده الفائتة".

ويقول الباحث: "أثبت حميدتي امتلاكه فطنة عسكرية، فقام البشير بترفيعه، وأضفى صبغة رسمية على مليشياته تحت اسم قوات الدعم السريع. وتم نشر تلك القوات في أنحاء السودان كله بصفتها فرقة قتال عامة، بالإضافة إلى أنه تم تأجير خدماتها للسعودية والإمارات في اليمن، حيث تشكل أكبر مجموعة قتالية على الأرض هناك، وبحسب بعض التقارير فإن كتيبة من قوات الدعم السريع ستنضم إلى الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، فقد أصبحت قوات حميدتي أكثر قدرة من الجيش النظامي".

ويشير دي وال إلى أن "الحقيقة الثانية بالنسبة للسياسة في السودان هي أن الولاءات السياسية قابلة للبيع لأعلى مزايد، فمنذ بدايات سبعينيات القرن الماضي أصبح الفساد هو أداة الحكام المفضلة لتأمين الرضوخ، فبغض النظر عن الأيديولوجية فان السياسيين الذين ازدهروا كانوا الأكثر مهارة في استخدام المحفزات المادية لبناء قاعدة نفوذ، ففي السبعينيات والثمانينيات قام الإخوان المسلمون ببناء قاعدة قوية من خلال الإقراض الاختياري من البنوك الإسلامية، وفي أواخر التسعينيات كان تحطيم قوة تلك البنوك هو نقطة الصراع الرئيسية بين البشير والإسلاميين الراديكاليين، وفي عام 2005 كان إيجاد صيغة لتقسيم دخل النفط بين الخرطوم وثوار جنوب السودان أمرا حاسما في التوصل إلى صفقة سلام أنهت الحرب في جنوب السودان".

ويبين الكاتب أن "صعود حميدتي من أمير حرب في منطقته إلى صانع قرار على المستوى الوطني كان ممكنا لأن مليشياته تسيطر على معظم مناجم الذهب المربحة في السودان في جبل أمير في دارفور، وعندما انفصل جنوب السودان عام 2011 وخسر السودان دخله من النفط، أصبح الذهب هو الأهم، ومن خلال هذا التحول جاء التغيير بمن يسيطر على ثروة البلاد، وكانت الأموال من النفط تعود مباشرة للحكومة، لكن بمجرد بدء أبو ظبي بقبول الذهب السوداني، أصبح بإمكان أي شخص متنفذ محليا ويسيطر على منجم ذهب أن يصدر الذهب مباشرة وبشكل سري، وللمشاركة في هذه الثروة قام نظام البشير بعقد صفقات مع هؤلاء المتنفذين، خاصة حميدتي.

ويلفت دي وال إلى أن "حميدتي استخدم تلك الأموال لبناء نفوذ سياسي له، ومنذ نيسان/ أبريل وهو يقوم باستخدام أمواله للتوصل إلى صفقات مع الفاعلين السياسيين الأساسيين، وعندما لم تدفع رواتب الشرطة لمدة ثلاثة أشهر، كان حميدتي هو من قدم الأموال اللازمة لمفوض الشرطة ليدفعها، ولتأمين قاعدة نفوذ لدى شيوخ القبائل قام حميدتي بعقد مؤتمر تم فيه مكافأة كل من واحد شيوخ القبائل بسيارة، يتماشى نوعها مع مقام الشيخ بين شيوخ القبائل".

وينوه الباحث إلى أن "الحقيقة السياسية الثالثة في السودان هي أن السياسة خدمت نخبة الخرطوم، فالعاصمة السودانية تعد منطقة للدخل المتوسط تحيطها بعض أفقر المناطق في العالم، فكل البنية التحتية والتعليم والخدمات العامة والثروة مركزة تقريبا في الخرطوم والبلدات التي لا تبعد عنها أكثر من مسافة ساعة في السيارة، وهناك اسم للمنطقة هو (مثلث حمدي)، وسميت بهذا الاسم على اسم عبد الرحيم حمدي، وزير المالية في تسعينيات القرن الماضي، الذي احتج بأن الاستثمار يجب أن يكون مركزا في (هذا البلد داخل البلد) لمكافأة النخبة، وبدوره، أصبح هذا الظلم هو المحرك للثورات المتكررة، في جنوب السودان ودارفور وجبال النوبة وجنوب كردوفان والنيل الأزرق وشرق السودان، التي تشكل حدوة حصان كبيرة، التي تحيط بمنطقة النخبة".

ويفيد دي وال بأن "الحقيقة الثالثة تم قلبها رأسا على عقب، حيث سيطر على السلطة رجل من غرب السودان، وهو ممارس محترف وشرس لسياسة مليشيات للتأجير، ولذلك فإن سيطرته على السلطة تخيف ليس فقط المحتجين المدنيين الذين ينحدر كثير منهم من الطبقة المتوسطة من الخرطوم، لكن أيضا حتى جنرالات الجيش، الذين ينحدرون من الطبقة الاجتماعية ذاتها، بالإضافة إلى أن هذه الطبقة تعرف نفسها على أنها من (العرب)، لكنهم من عالم مختلف تماما عن العالم الذي نشأ فيه حميدتي".

ويقول الكاتب إنه "مع تشتت انتباه المراقبين بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف الحرية والتغيير، كان حميدتي يقوم بشكل سري بالاتصال بالثوار، فبعيدا عن الأضواء قد يستطيع عقد الصفقة التي عجز عن عقدها مفاوضو المجتمع الدولي لفترة طويلة".

ويرى دي وال أن "الصراع في الخرطوم اليوم ليس بين الحكم العسكري والديمقراطية، لكنه حول ما إذا كانت السودان يجب أن يحكمها من هم من مركز السلطة تاريخيا على نهر النيل، أم أشخاص من الأكثرية الفقيرة في الأطراف".

ويختم الباحث مقاله بالقول إن "حميدتي يستخدم إلى الآن أدواته التي أتقنها في دارفور بفعالية جيدة في الخرطوم، ومع رعاته في الجانب الآخر من البحر الأحمر، فإن استطاع أن يفعل الشيء ذاته مع ثوار الأقاليم، فإن ثورة أبريل قد تكون أدخلت البلد إلى ثورة غير متوقعة في السودان، وسيكون الأشخاص من أطراف السودان في السلطة لأول مرة، وليس كجنوب السودان، فهم لم يثوروا لينفصلوا، لكن صاحب القرار لا يخدم الدولة السودانية، لكنه استولى على البلد ليخدم طموحاته التجارية العسكرية الحرة، وهذا يضع السودان في موقف غير مسبوق، لكنه في الوقت ذاته مألوف إلى درجة مخيفة".

   

المصدر: وكالات