السبت 17 أغسطس 2019 04:34 م

ليتهم بعد موتهم يتكلمون

الثلاثاء 09 يوليو 2019 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

ليتهم بعد موتهم يتكلمون
أرسل إلى صديق

منة الله الباف

"إهداء لكل مرضى السرطان.. ومن أحبوهم"

نحن لا نبحث عن أجوبة حين نجهل.. بل نبحث عنها حين يساورنا الشكّ، الموت فكرة مجردة لا يسعنا تصورها أو التعبير عنها. ربما نربطها باللون الأسود.. أو الأبيض.. أو غياب الألوان.. غياب الصوت والشعور بالأشياء، نحن نجهل الموت ونهابه.. ثم حين نفقد بعض ما مُنِحنا.. نتجاهله. كما نتجاهل أي شخص لا يروق لنا.. أو يروق لنا.

نحن في شجار دائم مع فكرة العدم.. ووجود الفكرة.. لا يسعنا اخماد ولو قليل من فضولنا وأسئلتنا.. وطروحاتنا المتناقضة، كل واحد فينا توقف لوهلة عن ممارسة حياته اليومية.. ولو لمرة واحدة.. وتساءل: كيف هو الموت؟ لا يهمنا ما هو فعلاً.. لكن ما هو شعورنا خلال الموت.. وقبل الموت بلحظات.. وبعد الموت، مهما قرأنا من نصوص ومخطوطات ونظريات وقصص وأساطير.. كل ذلك لن يجيب مخاوفنا عنا. نحن نهاب الموت لذلك نبحث عنه.. كي نتهرب منه.

إن واجه أحدنا فكرة الموت المحتم.. وأصابه مرض عضال لا شفاء منه.. وتوقع موته في القريب العاجل.. تنهار الحياة بكل نظرياتها أمامه. وان كان قد عاشها من أقصاها لأقصاها.. البعض يبالغ بالحياة ويتواضع عند الموت.. لذلك حين يقترب من الموت وبلمحة البصر.. يتوقف.. ويجرّد نفسه من نفسه.. ويتقرب من الموت كي يحاول فهمه، الفضول بحد ذاته هو خوف. وفكرة الانفصال عن الوجود الذي نعرفه هو خوف. الخوف من الشعور بالخوف أيضاً خوف، نحن لا نهاب الأفكار بل نهاب شعورنا وردات أفعالنا تجاه الأفكار تلك. نهاب أنفسنا.

عرفت شاباً منذ مدة، ليست بطويلة.. أخبرني عن مرضه.. وحتمية موته. في اللحظة ذاتها تعاطفت معه حتى بردّة أفعالي.. أظهرت بروداً مبالغاً به.. أردته أن يعلم بأنّني لم أشفق.. ولو لحظة.. بل أنّني واجهت فكرة فقدانه بالدرجة نفسها التي كان يحاول إظهارها، كلانا كان "مرتعباً" .. وكلانا لأسباب مختلفة، هو يهاب الموت.. وأنا أهاب الموت من بعده، بذلت كل جهدي كي أصفّد أول دمعة كادت أن تسيل.. وآخر دمعة ذرفتها فوق قبره، وكنتُ ممثلة بارعة.

رافقته في آخر أيام حياته وكأن شيئاً لم يكن.. وكأننا سنهزم الموت وننتصر للحياة.. والحياة بحدّ ذاتها استسلمت.. بين أضلعه، كان هزيلاً للغاية.. كنت أعلم بأن وجهه الشاحب هو آخر إشارة.. قبل رحيله، شاهدت الكثير من الوجوه الشاحبة.. وبتت أعلم تماماً متى تكون مميتة، الألوان قد تكون مميتة.. وغياب الألوان أيضاً مميت، كل ما شعرت تجاهه هو فراغ غير مبرر.. وغير مفهوم. فقدت الشعور تماماً.. وفقدت الرغبة بالشعور.

لطالما فكرت بالكلمة قبل لفظها.. وبالفعل قبل الإتيان به.. وبردة الفعل قبل الفعل أحياناً.. معه.. في آخر أيام حياته.. كان الأمر مختلفاً. توقفت عن التفكير، هو سرّ أخفيته عن الجميع.. هو كان ولم يعد.. وأردت أن أكتب عنه بشدّة.. وأقول للعالم.. الموت مخيف للغاية. رغم كل محاولاته.. وابتساماته.. ودقات قلبه.. وصوته المرتجف.. كنت أعلم بأنه خائف.. وهو يعلم بأنّني خائفة.. وكلانا ينتحل صفة الأبطال.. أردنا أن نكون أبطال الروايات ونهاياتها السعيدة.

لطالما تجنّبت مشاهدة الأفلام الرومنسية وقراءة "قواعد العشق الأربعون" والترّهات الجانبية.. لأن الأبطال تعيش سعادة لا متناهية.. وتنتهي الرواية عند هذا الحد.. لكن مخيلتي تشد بي نحو نهاية حقيقية.. حيث أن الأبطال ليسوا أبطالاً.. حيث أن أحدهما سيفقد الآخر يوماً ما، وما زلت أحاول تجنب الترهات تلك.. وأكتفي بكتب "الثورة" و"التاريخ" و"فلسفة الوجود". وكأن ردة الفعل العكسية ستخفف من الشعور بالألم.. والأسوأ من ذلك.. فقدان الشعور.

لن أنسى للحظة آخر حديث دار بيننا.. كان صامتاً تماماً.. واخترتُ الصمت أيضاً.. وكأن أحدنا ينتظر هروب الآخر، لكن كلانا لم يهرب.. نظرنا مطولاً إلى السماء.. حيث كلانا اعتقد بأنه سيذهب.. ثم نظر نحوي وابتسم ابتسامة شاحبة، أردت البكاء بشدة.. لكن لسبب ما.. ابتسمت وكأنها ستكون بسمة طويلة الأمد.. كلي ثقة بأنها لن تزول، الكبرياء.. هو آخر ما تبقى لنا.. كلانا تكبّر أمام وطأة الخوف.. وكلانا اختار الصمت أمام زحمة الكلمات الغاضبة. كلانا كان يغضب أمام المرآة فقط..

وبعد دقائق من الصمت.. أخبرني بأنه ما زال يذكر قبل سنة.. حين عملنا لساعات طويلة وتملكنا جوع شديد.. فتناولنا شطيرة "تونا" على الرصيف المجاور.. بين المارة ودخان السيارات.. كان يوماً حاراً للغاية. وكانت أسوأ شطيرة تناولناها طوال.. حياته، ضحك بشدة.. بعدها.. وكأنه يحاول إخباري أن الأمور السيئة تصبح مضحكة قبل الموت، فهل هي مضحكة بعده؟ حينها ضحكت معه.. أجبرت نفسي على الضحك.. وأنا التي لم يجبرها أحد على أي شيء، ثم أخبرته بأنني سأشتاقه.. لم يُجِب حينها.. لأنه بكل بساطة لا يعلم إن كان سيشتاقني.

ليتهم بعد موتهم يتكلمون.. ليتهم يخبروننا بماذا يشعرون.. أو إن كانوا يشعرون... نحن نشعر طوال الوقت.. ونتساءل عن أحوالهم.. نزورهم في أماكنهم الجديدة.. نحدثهم عن أعمالنا.. ونجاحاتنا.. واخفاقاتنا.. وأولادنا.. وأحفادنا.. ونحن على يقين بأنهم يسمعون.. وبأنهم لن يجيبوا.. ثم قبل أن نرحل.. نصمت.. كما صمتت أمام قبره.. بحسرة.. وحب.. ونلقي كلمة الوداع.. ونحن لا نعلم أصلاً إن كانوا سيرافقوننا نحو الباب.. ويلوحون بأيديهم قبل إغلاقه.

الموت حتمي.. والحياة إمكانية.. وبين الأمكانية والحتمية.. مارِسوا كل الفرضيات.. الخوف قد يكون مؤلماً.. لكن الراحة بعد الألم تستحق الانتظار، كل من ماتوا.. وماتت أجسادهم وأرواحهم وصورهم وذكراهم وأصواتهم وآثار أقدامهم.. اكتبوا عنهم في مذكراتكم وادفنوها تحت التراب.. اجعلوا كل النهايات رومانسية.. يوماً ما سيأتي أحدهم.. ويقرأ عنهم .. وربما عنكم، فعلت ذلك مرة.. وقبل أن أقوم بدفن مذكراتي قرأت صفحة واحدة عنه.. دفعتني لإفشاء سره.. ومشاركة تجربتي مع كل من مر وما زال يمر بتجربة مماثلة.. الألم حتمي كالموت.. الخوف حتمي أيضاً.. لا بأس.. الحياة كما هي رائعة.. انظروا للألوان حولكم.. ليست كلها مميتة.. وإن كانت امزجوها .. وابتكروا ألوان جديدة.. وحياة جديدة.. وذكريات جديدة.

المصدر: وكالات