الأربعاء 24 يوليو 2019 09:25 ص

عندما أصبحت أما

الخميس 11 يوليو 2019 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

عندما أصبحت أما
أرسل إلى صديق

فاطمة الزهراء الهدري

"وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" (٢٣) سورة الإسراء. آية كريمة لطالما ترددت على مسامعنا ونطقت بها شفاهنا بل وخطتها أناملنا دون أن نستشعر جسامة المسؤولية التي تحمل في طياتها. لقد أعلى الله مكانة الوالدين فقَرَن برهما بطاعته وعبادته، وهذا خير دليل على أن تربية النشئ ليست بالشيئ الهين. فمن غيرهما قادر على تحمل صريخك المدوي آناء الليل وأطراف النهار؟ من غيرهما قادر أن يعطيك حبا غير مشروط ومشاعر بدون قيود؟ بل من غيرهما عازم على أن يسلك معك زقاق الحياة الطويل بلا كلل ولا ملل؟ لا أحد. 

كلما مر شريط طفولتي أمامي، استيقظ من الأعماق بركان من العواطف والأحاسيس، فلولا وَالِدَاي لما كان لطفولتي طعم ولا لون. لعل أبرز المواقف التي تركت بصمتها في ذاكرة قلبي هو موقف أمي في أول يوم لي بالمدرسة. ما زلت أذكر ذلك اليوم جيدا وخاصة تلك اللحظة التي تأبطت المعلمة محفظتي وضمت يدي وخاطبت أمي قائلة: "اذهبي الآن يا سيدتي، ابنتك أمانة في عنقي". عندها رأيت أمي تغادر، فسحبت يدي من يد معلمتي بكل ما أوتيت من قوة وأخذت أجري نحوها باكية، فعانقت عباءتها ورائحتها المميزة تدغدغ خياشيمي الصغيرة..

"لا تتركيني يا أمي، أرجوك" فعانقتني ومسحت دموعي وأخذت تهدئ من روعي ثم خاطبتني بصوت حنون: "لا تفكري في يوم من الأيام أنني سأتخلى عنك، فأنت المنارة التي تضيئ فؤادي، سأنتظر وقت خروجك بفارغ الصبر، هيا اذهبي الآن يا شجاعة، فالفتيات ينتظرنك". عدت إلى الفصل وكلمات أمي تتردد في رأسي، فنسيت البكاء وغرقت في متاهات الألوان والأوراق البيضاء وضجيج الصغار. لعل ما قالته لي أمي آنذاك قد يبدو شيئا عاديا جدا، لكن بالنسبة لفتاة لم تطفئ شمعتها السادسة بعد فلم يكن كذلك بتاتا، بل كان شيئا عظيما زرع في وجدانها الخصب حبا من نوع آخر. كبر هذا الحب فصار شجرة ضربت بجذورها في أعمق أجزائي، شجرة أصبحت الآن تُطْعِمَ من ثمارها و تغطي بظلها.

عندما أصبحت أما، أدركت جيدا أنني لم أكن أقتات من تجارب الحياة سوى الفتات، وأدركت كذلك أن قلبي غدا إنسانا يضخ سعادة تسري بين ثنايا جسدي. أدركت أن الحياة ليست مستحيلة، لكنها ليست سهلة كذلك. أدركت أن النضج العاطفي لا يُكتسب إلا عندما نسبر أغوار الحياة ونتخبط في تجاربها الواحدة تلو الأخرى، تماما كالتجربة المرة التي خضتها أنا وعائلتي والتي لن أنساها ما دمت لم أصب بالألزهايمر أو غيره من الأمراض العصبية التي تنقض بأنيابها على الذاكرة.. هي دقائق كانت تمضي علي كالدهر، كنت أنتظر فيها أن تنطق الممرضة باسمي لأدخل إلى غرفة الإنعاش فأرى توأمي من وراء الحاضنات التي كانت بالنسبة لي كجدران سميكة تحول بيني وبين فلذات كبدي.

كنت أتردد على ذلك المكان الموحش ليل نهار علني أحظى بشرف إرضاعهما وتحسس قبضة يديهما الصغيرتين، لكن سرعان ما يغدو حلمي سرابا حين تخبرني الممرضة أنهما لا يقويان على الرضاعة بعد وأنه يلزمهما بعضا من الوقت قبل أن يتم إزالة الأنابيب الموصلة بمعدتهما، فأعود إلى البيت وأنا أجر حقيبةً، عجلاتها تعزف سيمفونية خيبتي وأنا أردد "اصبري، لعله خير". بالرغم من أن الله تعالى قد مَنَّ علي برؤيتهما يكبران وينعمان بصحة جيدة، إلا أن تلك الأيام لا تزال تشكل هاجسا بالنسبة لي، لكنها علمتني أيضا الكثير عن الحياة وعن قدرة خالقي. الأمومة ليست سهلة بتاتا لكن كلمة "أمي" تستحق كل ذلك العناء.

المصدر: وكالات