السبت 24 أغسطس 2019 02:21 م

الحجاب وسيلة للتحرر.. كيف؟!

الإثنين 15 يوليو 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

الحجاب وسيلة للتحرر.. كيف؟!
أرسل إلى صديق

شهيدة بوحنو

كانت الدول الأوروبية الإمبريالية ترسل بعثات استكشافية إلى الدول التي أصبحت فيما بعد مستعمرات لها، وكانوا يخفون هذه البعثات في ثوب التنوير والتبشير، ولكن المعلوم أنها لم تكن بعثات بريئة على الإطلاق وإنما كان الغرض الأساسي منها هو استكشاف بيئة هذه الأراضي وشعوبها وثقافاتها لتسهيل العملية التالية والتي هي الاستعمار والسلب والاستغلال، وهكذا فإن أول ما كان يتأمله هؤلاء المبعوثون هو الإنسان، تحديدا المرأة، لأنهم كانوا أذكياء بما يكفي ليعرفوا أن المرأة هي الممثل الأوضح لأي مجتمع مستهدف، فهي نصفه وهي التي تربي النصف الآخر وأدهياء بما يكفي ليدركوا أن النفاذ إليها نفاذ إلى المجتمع ككل.

ولكن المبعوثين الامبرياليين الفرنسيين كانوا يعانون الأمرّين مع المرأة الجزائرية خصوصا والمغاربية عموما، لأنها كانت لا تخرج من بيتها إلا و"الحايك" يلفها بحيث لا تظهر منها إلا العيون، وحين أريد بها أن تكون شيئا مُتَأَمّلاً وأداة للعين الاستعمارية تبصر بها قلب المجتمع، أخذت هي دورا معكوسا تماما كلف الفرنسيين الكثير، فهي لم تكن مُغَطّاة عن أعينهم فقط بل كانت محجوبة تثير استفزاز فضولهم الجشع وأيضا قادرة على أخذ دور المُتَأمِّل المقاوم، فكانت المرأة المغاربية عينا للمقاومة ويدا لها، فقد كانت مبصرة لما يدور في الساحة وأيضا تحمل تحت "الحايك" أسلحة وقنابل المقاومة وتوصلها إلى الأماكن المنشودة دون أن تلفت النظر وهذا ما ذكره مؤرخون عدة وترجم في أعمال فنية أيضا مثل مسلسل "شجرة الزاوية".

وهكذا كان الحجاب الكامل الذي هو "الحايك" رمزا للتحرر حرفيا، عكس كل ما يروج له بعض المحسوبين على الحداثة والتفتح اليوم من أفكار تضع الحجاب في قفص الرجعية ولانغلاق واللاحرية، زاعمين أن خلع الحجاب عين التحرر والثورة على المألوف، مأخوذين بالشعارات ومتناسين تماما أن التحرر والتجدد والثورة أمور رهينة بعقلية المرء وعلمه وأخلاقه ولا علاقة لها بقماش يوضع على الرأس أو يخلع، فالحجاب يغطي الرأس لا العقل، وتحرر شعيراتك منه لن يحرر من عقلك شيئا ما لم تقومي وتقرئي وتنيري مظالم كيانك بالعلم والقيم الإنسانية.

والحال أن ما ذكرته إلى الآن ليس للدفاع عن الحجاب ولا عن الإسلام، فالإثنان في غنىً عن دفاعي باعتبار أن الأسباب والغايات وراء تشريع الإسلام للحجاب وفرضه واضحة جدا ونظرة واحدة معمقة لها من شأنها توضح بما لا يدع مجالا للشك أن الحجاب لا يسجن المرأة بل يحررها. ولكن ما ذكرته له أبعاد أخرى في غاية الأهمية وهي كون الحايك لم يكن يمثل الإسلام فقط ولم يكن يمثل تستر المرأة كوسيلة لدعم المقاومة فقط، بل كان يمثل هوية أمة، هوية من شأنها أن تقف عائقا منيعا يحول دون غزو هذه الشعوب واحتلالها احتلالا معنويا فوق الاحتلال المادي.

كيف إذن أخذ حجاب الحايك هذا الحيز كله؟ هذا ما يأخذه المنطق وينشره أمامنا واضحا من خلال عداء فرنسا الدامي للحجاب، حين كانت تستخدم شتى الطرق لتجعل نساء الجزائر يتخلين عن حجابهن، حين كانت ترغم العمال الجزائريين على إحضار زوجاتهم سافرات إلى الحفلات وإلا فيفصلون عن العمل، فقد كانت فرنسا تسعى بكل ما أوتيت من حيل ومؤامرات لإقناع المرأة الجزائرية بأن حجاب الحايك يسجن أنوثتها ويحجب عنها شمس الحرية والحياة وأنها يجب أن تتحرر مثل المرأة الأوروبية بالرغم من أن كل عاقل يعرف أن المرأة الأوروبية إلى ذاك الحين لم تكن محررة إلا من الأقمشة ولكن ذلك كان مسعاهم لأن الحايك وكل ما هو جزء من هوية الشعوب المحتلة كان يشكل تهديدا جديا للمستعمر بحيث أنه يذكر هذه الشعوب بأصولها ويحول دون ميوعها واندماجها واختلاطها بهوية المستعمر حتى تنسى نفسها وتنسى أنها يجب أن تقاوم وتسترد ما سُلب.

استُهدفت الهوية من خلال الحايك إذن وهذا ليس بمدعاة للمفاجأة ما دامت فرنسا وغيرها من الدول الغربية تعرف أن التشبث بالهوية هي الوسيلة الأنجح للتحرر والمضي قدما والنهوض بالأمم، كيف لا وكل النماذج في القمة اليوم تثبت ذلك، واليابان على رأسها، هذه الدولة التي خرجت من الحرب العالمية مخربة عن آخرها وقد أنهكتها سنوات الحروب والاحتلال ثم أخذت على عاتقها هاجس المضي فتسلقت سلم التقدم إلى قمته في ضرف قياسي، وكلنا نعرف أن هذا الأرخبيل لا يتوفر على مؤهلات طبيعية ذات قدر يذكر ولكن ما جعلها تصنع نجاحها هي الثروة البشرية، الثروة البشرية التي عرفت أنه لا بديل عن التوفيق بين التشبث بالهوية والانفتاح على العالم للمضي قدما، فعملوا بجهد جهيد على ترجمة العلوم وأخذها من من شتى منابعها إلى لغتهم رافضين تعلمها بأي لغة غيرها، لغتهم التي هي هويتهم وثقافتهم، وحافظوا على تقاليدهم وثقافتهم بقدر ما استفادوا من تجارب الآخرين وخبراتهم، وهم واعين تماما أن الاستفادة من الدول المتقدمة لا تعني اقتباس كل شيء عنها بدعوى الحداثة والتجدد، بل هي أخذ ما هو مهم ونافع وتعلمه من خلال عدستهم وزاويتهم الثقافية الأصلية.

إن الهوية هي الفارق ومفتاح التحرر، بدءا بالحجاب والحايك وصولا للتاريخ والتعليم واللغة، أما الانصياع لشعارات الحداثة المزيفة والانبهار بقشورها فهو ضرب من العبث وتخبط في الخواء، لأن التحرر ليس هو تقليد الغرب في كل شيء، فهذا أشبه ما يكون بالغش في الامتحان ونقل أجوبة زميلك بالحرف ونقل اسمه ومعلوماته إلى ورقتك، لا يجدي نفعا ولا نتيجة ستجديها غير مذلة الغش ومصادرة التاريخ لورقتك بتهمة الغش المغفل. والأصح هو الاستفادة من تجارب الغير وعلومهم وخبراتهم دون نسيان أسلوبنا الخاص، دون نسيان تاريخنا وذاتنا وهويتنا ولغتنا وثقافتنا، وهل سمعتم يوما عن شخص وصل لهدف ما بشخصية غيره؟ لا والله ما هكذا تحصد النجاحات وما هكذا تُبلغ القمم، وهذا بالفرد فكيف إذن بأمة كاملة؟ لذلك وجب علينا أن نعيد الحسابات ونرتب الأولويات، فبدءاً بالأفراد يتغير المجتمع.

المصدر: وكالات