السبت 24 أغسطس 2019 02:51 م

صراع الذات.. بين التعفّف والوقوع في فخ الهلاك

الإثنين 15 يوليو 2019 12:20 م بتوقيت القدس المحتلة

صراع الذات.. بين التعفّف والوقوع في فخ الهلاك
أرسل إلى صديق

ظاهر صالح

لا تخفى على أحد الأزمات التي حدثت، وما زالت، تحدث في المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً في السنوات الأخيرة. ومن بينها أزمات سياسية واقتصادية وأزمات اجتماعية، وانقسامات حصلت بين أبناء الشعب الواحد. وكثيرة هي الشواهد على حالة التردّي والاضمحلال الفكري والثقافي والديني والأخلاقي، ومن ثم انتشار الفساد وتداعياته التي تؤدي إلى موت أشخاص أبرياء وخسارات اقتصادية كبيرة وعواقب وخيمة منها: تآكل الرأسمال البشري، وتداعي إمكانات المجتمع وقدرته عل الفعل الإيجابي، وإفساد ثقافة المؤسسات، وانتهاك الأمن الإنساني، وسرقة أموال الشعب، وفقدان الإحساس بالأمان حيال المستقبل، إثر ما يمكن أن نسميه بتدوير الفساد وتعويمه، إذ يسعى كل فرد إلى تحصيل ما يسدّ رمقه بأي طريقة، ومن دون أي اهتمامٍ بما يفرضه القانون من واجبات، ودون محاسبة ذاتية.

ويحصل هذا في ظل الاقتناع العام بأن التعفّف يعني الوقوع في فخ الهلاك، وقت عجز الناس عن ملء بطونهم، فحين يصل الإنسان إلى المستوى الذي تتساوى عنده كل الاحتمالات، مع الشعور العام بوصول الفساد إلى النخاع تتصاعد المخاطرة في شقها الرديء والإجرامي عند أعداد غفيرة، فيقدمون على تحصيل الأرزاق عبر وسائل غير مشروعة، وبأعصاب باردة وضمائر ميتة لانتزاع أي مكان في الزحام، بأي طريقة، خوفاً من أن تدهسهم أقدام الصاعدين إلى قمة المجتمع. وهنا يصطف أفراد المجتمع، كلّ وفق مصلحته الشخصية في طابور طويل، ليضع كل فرد يده في جيب من يقف أمامه وكذلك الذي يليه، في استمرار للسرقة الجماعية، وفي ذلك انهيار الدول والمجتمعات وانحدار في القيم الإنسانية وتدهور في الأخلاق، وانتشار فوضى عارمة في كل الاتجاهات.

لقد تنبه رائد علم الاجتماع العربي ابن خلدون لهذه المرحلة من الانهيارات، فقال في مقدمته الشهيرة في القرن الرابع عشر الميلادي: "عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون.. يضيع التقدير ويسوء التدبير، وتختلط المعاني والكلام، ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل.. عندما تنهار الدول يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف، وتظهر العجائب وتعم الإشاعة، ويتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل، ويخفق صوت الحق".

لا نعتقد أن الغرض من هذا الوصف الشامل الذي عرضه ابن خلدون في مقدمته لأحوالنا، الإحباط وتوسعة الجراح، وإنما الغرض وصف الداء حتى نعرف الدواء، فإن ذلك من أعظم أسباب الشفاء والعافية، فبعلمنا بأمور ديننا وفقهنا لمقاصده وتمثلنا تعاليمه نعرف حقيقة هذه الدنيا الزائلة، والغاية التي وجدنا من أجلها، وحقيقة ما سننقلب إليه. وبفهمنا حقيقة العبادة لله عز وجل، نؤدي الواجبات ونحفظ الحقوق، وذلك سينعكس على كل مجالات حياتنا، فبتمثلنا لتعاليم ديننا وفقهنا لمقاصد تشريعاته، نلتزم بمسؤولياتنا ونقيم الفرض ونعمر الأرض التي استخلفنا الله فيها، بالالتزام بتعاليم ديننا والتفقه فيه تعمر مساجدنا ويسود الإخاء بيننا وتتطهر قلوبنا وتتحد صفوفنا، وتجتمع كلمتنا ويصلح حال أسرنا وبناء مجتمعاتنا.

حرص الإسلام، بتعاليمه وشرائعه، على تنظيم علاقة الناس بربهم تبارك وتعالى، حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، وفي الوقت نفسه، شرع لهم ما ينظم علاقتهم بعضهم ببعض، حتى تسود الألفة والمحبة في المجتمع المسلم، ولا يتحقق ذلك إلا إذا حرص كل فرد من أفراده على مصلحة غيره، حرصه على مصلحته الشخصية، وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي قويّ الروابط، متماسكاً، كالجسد الواحد القوي الذي لا تقهره الحوادث، ولا تغلبه النوائب، فتتحقق للأمة سعادتها، وهذا هو غاية ما نتمنى أن نراه على أرض الواقع، فالإسلام رأى العدالة الاجتماعية مفهوماً للتعايش الجماعي الكلي، بمعنى أن يعيش كل فرد في الجماعة عيشة كريمة غير محروم ولا ممنوع، وأن يكون قادراً على استثمار مواهبه بما يفيد الجماعة ويزيد من إنتاجيتها.

نستطيع القول: إذا أردنا أن نحقق عدالة اجتماعية، بكليتها الجزئية والشمولية، فلا بد من الأخذ بالاعتبار المساواة العملية، وهي القيمة النافذة داخل المجتمع، بحيث يتم التعامل مع الجزء ضمن إطار الكل وليس بطريقة منفصلة، إضافةً إلى التكافل الاجتماعي الناظم لشؤون حياتنا اليومية، فلا يعقل أن يكون لديك فائض من الطعام بينما الآخر يموت من الجوع. لهذا، يجب أن يكون الواقع المتردي والمأسوي الذي وصلت إليه الشعوب دافعاً لشرفاء ونخب جميع بلدان العالم الإسلامي لأن تعيد النظر في وضعها ومواقفها، استناداً للقيم والمبادئ التي تؤمن بها، وهنا يأتي الدين كأول مصدر تشريعي للقيم النبيلة، التي أتى بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته السماوية، وكان مرتكزها تتمة الأخلاق ومكارمها

المصدر: فلسطين الآن