السبت 17 أغسطس 2019 03:42 م

التوحد وأنا (2).. المصائبُ لا تأتي فُرادى!

السبت 03 أغسطس 2019 02:00 م بتوقيت القدس المحتلة

التوحد وأنا (2).. المصائبُ لا تأتي فُرادى!
أرسل إلى صديق

وكالات - فلسطين الآن

يقولون: "الأصعبُ من كل بلوى هما الكتفان"! هل هما قويتان كفايةً لحمل تلك البلوى أم لا؟ أخذتُ أتحسس صلابة كتفي.. بدأتُ ألوكُ الفكرة.. أكررها لأتقبلها لعلها تصبح سهلة. فكرةُ أن تكون أبًا لطفلٍ يحتاج رعايةً خاصة هي فكرة مرعبة!  كلُّ منا يتأملُ أن يأتي لهذا العالم بطفلٍ سليم جسديا ونفسيا وعقليا.. الخيار الآخر ليس مطروحًا في أذهاننا أصلًا، لا نتوقعه. ولعل أهم مشاكلنا تأتي من "توقعاتنا"؛ كل منا يتمنى أن يكون ابنه أفضل منه في كل شيء.. أن يرث الجيد والقوي من صفاته: الشكل، والذكاء، والطاقة..

في الوقت الذي أدركت فيه أن داود طفلٌ مختلف، بدأت أفكر عميقًا بمعنى النجاح والإنجاز على صعيد الأبوة. سيلٌ من الأفكار والأسئلة المُلِّحةِ اجتاحني.. هل النجاح أن آتي للعالم بطفل "طبيعي" أو خارق الذكاء؟ ماذا لو تقبلت هذا المخلوق الجميل كما هو وتعاملتُ مع احتياجاته الخاصة بأفضل صورة ليقوم هو بأفضل ما يمكنه القيام به؟! ثم ما الهدف أصلًا من إنجابي له؟ هل هذا الكائن الجديد هو محض "روبوت" أرسم أنا أبعاد نجاحه؟ طفلي هو روح جديدة انبثقت مني نعم، لكن هل يعني ذلك أن تكون خياراته ومساراته من صنعي؟

أطرقت أكثر وفكرت.. يمكن لداود أن يكون متميزًا رغم وضعه الخاص فليس بالضرورة أن يكون عالم ذرة أو فلك! من قال إن النجاح لا يحققه سوى طفلٍ كاملٍ ومن زعم أن السعادة تعني أن تكون كاملًا.. عندها إذن لن ينجح أحد ولن يَسعد أحد.

ما العملُ إذًا!؟ بدأت أولًا بالتَحلل نفسيًا من فخ "الوقت" الذي يُلقي بظِلاله عليَّ ويزيدني توترًا كلما أمعنتُ في اتساعِ الفجوة بين داوود وأقرانه. وأخذتُ أقنعُ نفسي أنَّ كلَّ وقتٍ نريدُ البدء فيه هو الوقت "المثالي". المثالية صارت بنظري تعني أن نختار الخيار "الأفضل"، أما التوقيت فهو أمر إجرائي.

غير أن التحلل من فخ الزمن لم يعنِ قطُ أن أستسلمَ أو أن أقف أراقب الفرص تتسربُ من بين يديه؛ بل دفعني لتكريس المزيد من الوقت والجهد وأن يصبح وقتي القادم ملكاً لي كله؛ كي أمنح طفلي أضعاف الجهد الذي اعتدتُ تكريسه له على أمل استعادته يومًا من عوالمه التي أجهلها. ولأجل ذلك عزمتُ على الاستقالةِ من عملي والتركيز على إيجاد حل لما أنا فيه.

بمرور الوقت صار عمر داود سنتين وثلاثة شهور، وقتها انفصلنا أنا ووالدته وأعتقد رغم الرعاية الهائلة له من طرفينا أن تجربة الانفصال أثرت على روحه الهشّه بشكل أو بآخر غير أنها سمحت لي بمزيد من الوقت الخاص لداود.. صار هو مشروعي الوحيد.. بدأ داود يحكي بعض الكلمات.. تعرّفَ إلى الحروف العربية.. يعد الأرقام.. غير أنه ما زال متأخرًا في التواصل مع الآخرين يعيش في عزلة في عالمه السريِّ الخاص الذي يقتلني فضولي لا لأدخله بل لأخرجه منه.

كانت شخصيته في الحضانة رغم تأخره في التواصل محببة جدًا للأطفال؛ إذا غاب يومًا يسألون عنه بلهفة.. "هل داود بخير؟ هل سيأتي غدًا؟" تلك الأسئلة كانت تُبهجني وتبعث سلوى عميقة لقلبي بأن هناك أشخاصًا -رغم كل تعقيد شخصيته وصعوبة تواصله- يحبونه ويفهمونه بل ويفتقدونه إن غاب!

ظهيرة يوم عمل مزدحمٍ تفقدت هاتفي بالصدفة وإذا بأكثر من مكالمة فائتة، كانت كلها من Gry.. معلمة داود!! على الفور عاودتُ الاتصال بها، فجاء صوتها متهدجًا وبعيدًا على نحوٍ مريب: سألتها بتوتر: "هل داود بخير؟؟". صمتت برهة ثم قالت: "أتمنى ذلك.. الحقيقة أصيب داود اليوم بتشنجات غريبة لا إرادية، وقد أخافت الأطفال واربكتنا غير أنه بخير الآن".

كلماتها نزلت على رأسي كالصاعقة، تزاحمت عشرات الأسئلة في رأسي، هممت أن استوضحها عن ماهيّة التشنجات فلم تمهلني وأضافت: "نحن نشك أن داود مصابٌ بالصرع!". يتبع...

المصدر: وكالات