السبت 17 أغسطس 2019 04:17 م

بين الأمس واليوم.. هل سقط جيلنا في الفخ؟

الثلاثاء 06 أغسطس 2019 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

بين الأمس واليوم.. هل سقط جيلنا في الفخ؟
أرسل إلى صديق

عهود الناصري

إن الحقيقة كما يعلم الكل عالم من الشموخ والتي تتعب صاحبها إذ ما أراد أن يبحث بحق في أعماقها. قد يتساءل معظمنا عن سبب التدهور الفكري الذي نعيشه، والذي بالبداهة سيؤثر على واقع الحال، معظمنا بحث حقا عن المعرفة من أجل سلك الطريق الصحيح، وهذه سمة جبل عليها الإنسان، فكل إنسان عاقل مفطور على حب المعرفة والطوقان للحقيقة، إلا أن هذا، وللأسف، قد يولد في الإنسان العيش دائما على أمل أن يجد الحقيقة مستقبلا، فينسى حاضره ولحظته، والتي يمكن أن نقول أنها الحقيقة الوحيدة التي يستشعرها الإنسان، فيعي مقدار الجهل الذي كان عليه، أو كما قال الإمام الشافعي:

كلمــــــا أدبني الدهر أراني نقص عقلـــي
وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي

هذا العطش للمعرفة للوصول إلى الطمأنينة التي تخلفها الحقيقة في النهاية، يتعب في الطريق الموصل إليها، وقد لا يكسب إلا الشقاء، على حد قول المتنبي، "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأبو الجهالة في الشقاوة ينعم". وما الجيل الذي ننتمي إليه إلا نتيجة لمخاض فكري عسير، طمعا في إيجاد هوية واضحة تعكس حقيقتنا دون تشويه أو تشويش، لكن سرعان ما نجد أنفسنا تائهين لا نملك البوصلة المؤدية للطريق الأنسب، تارة نمجد أصولنا ونتغنى بها أمام العالمين، وتارة ننتصر للحداثة مهرولين إليها فنكون من السابقين، فهل نقول أن جيلنا سقط في فخ بين عصرين مختلفين، بين القديم والجديد؟ هل هذا السقوط شتتنا وأفقدنا القدرة على إنتاج معايير واضحة نتبعها في الحياة؟ 

في المنطقة العربية عامة لم تشهد حركة إصلاح إلا بعد، قرابة، أربعة قرون إصلاح بعد عصر النهضة الأوروبية، فانتقلت إلينا المعارف الأوروبية الحديثة، وفي النصف الأول من القرن العشرين بدأ نوع من التبني للأفكار الغربية والتي بدت لنا أنها سبب تقدم الغرب اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وعلميا، فبرزت شخصيات مهمة كان لها سيط في الوسط العربي فكريا، كطه حسين، وسلامة موسى، وعلي الوردي، وغيرهم، وقد ناد هؤلاء بضرورة الاعتماد على العقل والاقتباس من الغرب والاستفادة من تجارب البلدان الراقية.

إذ نجد علي الوردي يقول في كتابه "مهزلة العقل البشري" إن الحضارة الغربية مغرية وهي جبارة تسحق من يقف في طريقها" فهو يرى أن الحضارة الغربية إذا خلت إلى المجتمعات العربية تتوغل فيها فيصعب على الفرد التمنع عنها أو تجاوزها، وقد يفهم القارئ أن الدكتور علي الوردي أنه معجب بالحضارة الغربية أو أنه ينادي إليها أو أن نحدو حدوها، لكنه يقول "لست أريد بكتابي هذا أن أمجد الحضارة الغربية أو أدعو إليها، إنما قصدي أن أقول، أنه لابد مما ليس له منه بد"، فكهذا نفهم أنه ما وصلنا من ثقافة الغرب وحضارته كان لابد منه نظرا لقوة هذا التيار وشدة وقعه على عموم الفكر البشري. 

وهنا كانت المفارقة، هل يرضخ الإنسان العربي لهذا التيار المغري أم يتشبث بتراثه الذي لطالما تفاخر به؟ التراث باعتباره كل ما خلفه الأسلاف من أشياء فكرية أو مادية في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والدينية. أم وجب عليه استبداله بما جاءت به الحداثة وأبدعه الإنسان في الحاضر، لذلك يجد الإنسان نفسه تائها بين الامتثال للحداثة وبين العودة للتراث الأصيل، وفي كلتا الحالتين فهو لم يختر أيا منهما، فالتراث يفرض تعاليمه على الخلف توافقت مع توجهات الفرد أم لا، والحداثة هي الأخرى مفروضة عليه تختلف عن تمثلاته وقيمه، فلا نحن استطعنا الحفاظ على التراث وما خلفه لنا السابقين، ولا نحن قدرنا على تجاوز هذا التراث وأخذنا بأسباب الحداثة فصنعنا الحاضر.

وكان هذا الاختلاف الواسع بين نمطين من التفكير قد عرف تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية. فسياسيا مثلا ظهرت حركات مختلفة، قد تنتصر للموروث الإسلامي القديم، هدفها تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة إسلامية تستند إلى حكم شرعي، من أبرز دعاتها نجد مثلا حسن البنا والسيد قطب.. وفي المقابل هناك الليبرالية التي تسعى إلى نشأة دولة قائمة على الدستور والبرلمان ووسائل العمران الحديث، أهم روادها الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وغيرهم الذين شكلوا بداية دخول الفكر الليبرالي إلى الوطن العربي. 

وهكذا الاشتراكية العربية التي كانت تهدف إلى تطبيق تعاليم الأفكار الاشتراكية في البرامج الاقتصادية والاجتماعية وإن اختلطت معها في قواعد الفكر والمعتقد الديني مع احترام العادات والقيم، وقد تبنى هذا التيار الفكري، زكي الأرسوزي، المهدي بن بركة، ياسر عرفات وغيرهم.. إن ظاهرة الحداثة تبتغي الشمول حيث يتداخل فيها السياسي والفكري والاجتماعي.. وإذا نظرنا إلى العربي اليوم وجدناه فقيرا إلى منعدما، فكلنا نعلم أن حياتنا اليوم لا تسير إلا بمنتجات الغرب بل تتوقف هواتفنا التي ننكب عليها صباح مساء ذات الصناعة اليابانية، أو سياراتنا ذات الصناعة الألمانية.. وغيرها من الوسائل والأدوات التي من دونها سنعيش حياة اليوم بنمط العصور الوسطى.

اجتماعيا وثقافيا كذلك، عرف نمط لباس المرأة تغييرا واضحا، حيث كان خاضعا لتعاليم صارمة، ويظهر هذا التغيير في المغرب مثلا بعد استقلال المغرب، حيث نجد فاطمة المرنيسي مثلا تقول في كتابها "نساء على أجنحة الحلم": "كان الحايك تلف به المرأة جسدها يستلزم سبعة أمتار من الثوب" هنا تتحدث المرنيسي قبل مرحلة الاستقلال بقليل، ويمكن أن نقول أننا في بداية التوثر الفكري، حيث تستمر في الحديث عن والدتها وتقول" وحين علمت بخبر استقلال المغرب ورحيل الفرنسيين سنة 1955، شاركت في مظاهرة مع النساء الوطنيات.. منذ ذلك اليوم لم نعد نشاهد اللثام يغطي وجه الشابات في مدينة فاس". اللباس هو الآخر ترجمة لطبيعة نمط التفكير، ولا يمكن أن ننكر دور هذا التغيير على حياة المرأة أو نمط عيشها.

حمل الانبهار أمام الحضارة الغربية انقلابا على عوائد التفكير والتضييق الفعلي كذلك، أمام هذه التغيرات الفكرية، يمكن القول أننا نعيش فراغا واضحا أو فجوة عميقة على حد تعبير محمد عابد الجابري، فجوة وقف فيها الإنسان العربي اليوم عاجزا أمام هذا الصراع بين التشبث بالقديم أو الانفتاح على الجديد، لكن على الأقل وجب أن نفطن إلى أن الحقيقة عملية بناء لا تنتهي، كما وجب التحرر النسبي من سلطة المطلق. أمام هذا التياهان الذي نعيشه أعتذر نيابة عن جميع الألسن الغير القادرة إلا على صياغة التهم والسخرية، نحن جيل قُدم للحياة طفلا صغيرا مشوها مقصوص الجناحين بتهمة فشلنا وعجزنا عن فعل الكثير من الأمور المصيرية التي لم نملك موادها الأولية لنتابع عملنا بها. على الرغم من كل هذا، إلا أننا جيل عاشق للحياة، ينحت الصخر ليخرج منه مصدرا للاستمرار ولابد لنا من المضي نحو إدراك الذات والإرادة الفردية ، نحو الرغبة في استشعار التناغم وسط التنافر والجمال وسط القبح والحب وسط الكراهية والوضوح أمام الضباب..

المصدر: وكالات