الأربعاء 18 سبتمبر 2019 08:04 ص

​"بعض الرجال ليسوا رجالًا"

الأحد 08 سبتمبر 2019 08:34 ص بتوقيت القدس المحتلة

​"بعض الرجال ليسوا رجالًا"
أرسل إلى صديق

زهرة وهيب خدرج

قبل أن أبدأ حديثي دعونا نتفق على مبدأ: ليس كل ذكر رجل، وليس كل رجل بالضرورة أن يكون ذكرًا، لأن الرجولة سمة أخلاقية يتسم بها البشر وليست صفة جسدية يولدون عليها تمليها عليهم هرموناتهم وشكل أعضائهم.

كانت نسوة الحارة يعيِّبن على "أم عبد الله" أنها امرأة مسترجلة، ويروين عنها أساطير تشبه أساطير الصين القديمة، إلى درجة وصلت أنني في صغري كنت أخافها، فلم أتصورها ولو مرة واحدة امرأة، كانت تضع في قدميها شبشبين يفوقانهما حجمًا، وتلبس سروالًا واسعًا يظهر بوضوح من تحت دشداشها الطويل، ودائمًا ما تغطي رأسها بحطة فلسطينية.

أصيب أبو عبد الله بمرض لا أدري ما هو (فقد كنت صغيرة آنذاك) ألزمه الفراش، وماذا تفعل امرأة مثلها أنجبت ست بنات وأربعة أولاد، أكبرهم بنات ثلاث لم تتجاوز الكبرى منهن الخامسة عشرة: هل تجلس في البيت تمد يدها للصدقة بحجة أنها امرأة مدللة وزوجها مريض، أم تُخرج أبناءها ذكورًا وإناثًا للتسول أو السرقة؟!

كانت أم عبد الله امرأة حرة، أبت على نفسها أن تصبح عالة على المجتمع، استدانت مبلغًا من المال اشترت به نعجة أخذت تكاثرها وتبيع إنتاجها إلى أن أصبحت قطيعًا عاشت الأسرة بأكملها من إنتاجه، كنت أراها تكنس الحظيرة، وتحلب النعاج، وتجز صوفها، وتخرجها ليرعاها ابنها عبد الله.

الغريب في الأمر أن صورة أم عبد الله باتت هي السمة الأبرز الآن في مجتمعنا، ولكن بصورة عصرية جدًّا، فبدلًا من الأغنام هناك الوظائف، وبدلًا من الشبشب هناك الحذاء الضيق ذو الكعب العالي، فضلًا عن المكياج والملابس الأنيقة، ولكن بفارق خطير هنا، فالزوج ليس مريضًا، وإنما عندما عزم على الزواج بحث عن فتاة عاملة، يضع قرشها على قرشه ليستطيع مواجهة ضغوط الحياة.

تخرج المرأة معه في الصباح إلى وظيفتها، ولكن بعد أن تكون قد أُنهكت من ترتيب البيت وتحضير الطعام وتجهيز الأطفال للحضانات والمدارس، وتعود معه من وظيفتها مساءً، لتركض إلى المطبخ وهي ما تزال بملابس العمل، تضع طعام الغداء على الموقد، فإذا أنبوبة الغاز فارغة، تعمد إلى فكِّها وتركيب أخرى مكانها، وقبل أن تنتهي يصرخ الزوج مناديًا: ألم تنتهي؟!؛ أسرعي الولد بحاجة لتغيير حفاظته.

تسرع إلى الطفل، وقبل أن تنتهي يبكي صغير آخر شاكيًا رأسه، تضع يدها على جبهته، فإذا هي الحمى، تطلب من زوجها بإلحاح أن يضع الكمادات الباردة على أطراف الطفل وجبهته حتى تنتهي من إرضاع الصغير وطهي الطعام، فيعتذر بأنه متعب ومصاب بالصداع، ولا قِبَل له بذلك الآن، ويضيف: "اهتمي بالطفل المريض الآن، وأجِّلي إعداد الطعام قليلًا، فلابد لي من غفوة".

وما هي إلا دقائق حتى كانت أخته تتصل لتبلغ الزوجة رغبتها بزيارتهم بعد ساعة، ترتبك الزوجة بشدة، وتعتذر منها قائلة: "اعذريني؛ لم نتناول غداءنا حتى الآن، واحد من الأولاد مريض والثاني لا يتوقف عن البكاء، يريد البقاء في حضني، أشعر بالإنهاك، أتمنى ألا تستائي من اعتذاري".

تغلق الخط، وفي اللحظة ذاتها ينادي الزوج قائلًا: من المتصل؟

تقول: "أختك، كانت تريد زياتنا بعد ساعة برفقة زوجها، وقد اعتذرت لها".

يصرخ بها قائلًا: "البيت بيتها، كيف تعتذرين لها؟!، هي تستطيع القدوم إلى هنا متى شاءت، لا يحق لك أن ترفضي".

قالت: "ولكن أنت ترى حالنا، هل أنا آلة لا تشعر بالتعب؟!".

- أختي لن تشكل عبئًا إضافيًّا عليك.

- ولكن انظر: أنا ما زلت بملابس العمل حتى الآن، وأنت غير مستعد لأن تساعدني في أي من المسؤوليات.

فيصرخ مستنكرًا: "وهل لأختي علاقة بذلك؟!، ما رأيك أن تذهبي إلى النوم، وأذهب أنا إلى الطبخ والتنظيف والعناية بالصغار؟!

اضطرت أن تصمت لأنها تدرك تمامًا أن لا جدوى تُرجى من نقاش كهذا؛ فرجولة زوجها تدفعه لأنها يتركها تتحمل جميع الأدوار والمسؤوليات وحدها.

المصدر: فلسطين الآن