الجمعة 20 سبتمبر 2019 04:58 ص

"اربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه"

الثلاثاء 10 سبتمبر 2019 09:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

"اربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه"
أرسل إلى صديق

أسماء سلامة

أعجبني ما كتبته معلمتي الفاضلة السيدة أسمهان عزوني ، على صفحتها على الفيس بوك ( أربط الحمار مطرح ما بقلك صاحبه)، وهو باختصار يعني لا توجع راسك ونفذ المطلوب . الطاعة العمياء، لا للنقاش ولا للفهم.

هذه المثل الشعبي بمفهومه السلبي الذي يعمل على تكوين الشخصيات المنقادة والتي لا تُعمل عقلها ولا تُشغل تفكيرها في الأمور، مجرد تنفيذ الأوامر من باب (إراحة البال) . هل فعلاً الطاعة - دون نقاش - لما يريده الآخرون هي أريح للبال ؟؟ وهل بات ربط الحمار مطرح (مكان) ما يحب صاحبه هو الضمان الآمن لكافة العواقب والنتائج ؟

وإذا طُلب منك أن تربطه مثلاً في مكان عام، أو في منتصف الشارع ، أو على ممر المشاة، أو باب مستشفى أو مدرسة ... هل تنفذ دون نقاش لأن ذلك أسلم وأكثر راحة ؟؟

لا بد للعقل أن يعمل ، أن ينفذ ما يعتبر منطقياً ، وأن يناقش ويجادل ويُشارع فيما لا يمكن لعقل إنسان أن يتقبله ، بغض النظر عن مدى ( وجع الرأس ) الذي سيلحق به جراء ذلك ، لأن الضرر الذي سينتج عن الطاعة العمياء لن يلحق بك وحدك ، بل سيكون موسعاً وشاملاً لمحيط أكبر ، أنت لم ترح رأسك بل ستوجع رؤوس الكثيرين لاحقاً .

إذا كان المبدأ الذي يقوم عليه هذا المثل صحيحاً ...لنخصص مادة في مدارسنا أو جامعاتنا تحمل هذا المثل عنواناً لها .. لنجهز أبناءنا للقيام بالربط على أكمل وجه ... ولتصبح البلد مربطاً ( للحمير) ، ولربما أصبح هناك خبراء في هذا المجال .

أتخيل أن يختار أكثر من شخص أن يربط حمار كل منهم في نفس المكان ( تعارض المصالح ) ... ماذا ستفعل عندها ..؟؟ غاية في السخافة والجهل أن نصل إلى هذه الدرجة من السلبية والهروب من المواجهة ، وأن نلبي رغبات البعض وننفذ أوامرهم ، دون الالتفاف إلى تبعات ذلك علينا وعلى الآخرين على حد سواء .

لقد باتت القضية مفسدة للأشخاص وللمجتمعات ، وبات هناك إبداع في طريقة حب صاحب الحمار لمكان ربطه ، وقع على هذه الورقة بغض النظر عما تحويه من مخالفات مثلاً ، أو نفذ هذا القرار مع علمك المسبق والأكيد بعدم جدواه أو قانونيته ، اشهد بكذا أو كذا دون أن تفكر بالمصائب التي ستسببها شهادتك ، والكثير الكثير من القرارات والأوامر التي توجه إليك ، وما عليك سوى أن تربط الحمار مكان ما يحب صاحبه . والنتيجة ... كثرت الاستثناءات من القوانين ، وكثرت التجاوزات ، وزاد الظلم ، نهبت الأموال وتم الاعتداء على الحريات والممتلكات ، حرم أصحاب الحق من حقوقهم وأعطي الحق لمن لا يستحق بالواسطات والمحسوبيات ، زاد البعض غنى مقابل زيادة البعض الآخر فقراً ، وغاب العدل بكافة أشكاله. والسبب( هالحمار).

لابد أن ندرك أننا كلما ربطنا حماراً بهذه الطريقة ، فنحن في الواقع نهدم جزءاً من هذا المجتمع ، ونساهم بشكل فعال ومباشر في نشر الفساد وتفشيه أكثر وأكثر ، فلو لم يجد هؤلاء الفاسدون من يربط لهم حميرهم كما يحبّون ، لأوجدوا الأمكنة المناسبة لربطها ، أو لتخلّوا عنها إن لزم الأمر .

لسنا بحاجة لشخصيات منقادة ، ولا سلبية ، ولا لمنفذي أوامر ، ولمغيبي عقول ، لسنا بحاجة لمن يردد على مسامعنا كلمة ( حاضر ) باستمرار ، نحن بحاجة لمن يقف أمام الخطأ بكل حزم ، ومن يدافع عن الصواب والحق مهما كلفه الأمر ، نحن بحاجة لمن يرفض ربط الحمار في المكان الخاطئ بل ومن يساعدنا في الاستغناء عن الحمار وصاحبه ، نحن بغنى عمّن يعطينا الأوامر لتحقيق مصالحه الخاصة على حساب مجتمعاتنا ، ويضمن ذلك دون أن يطاله الأمر بشكل مباشر ، ففي النهاية هو من أصدر الأمر ، ولكن الخطأ لم ولن يتم إلا بيد من قال ( حاضر ) دون نقاش . فمهما كانت المخالفة صغيرة بحجم خطأ بسيط أو عظمت لتصل إلى حد الجريمة ، فأنت شريك فيها إن أطعت بشكل أعمى .

إن الشخصيات التي تنشأ على تطبيق مفاهيم السلبية التي تحويها مثل هذه الأمثلة الشعبية : حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس ، وامشي جنب الحيط وقول يا رب الستر ، واربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه .. وغيرها ، هي التي ساهمت بشكل كبير في تطور الفساد وانتقاله من مجرد ظاهرة إلى نهج حياة للأسف الشديد ، فلم يتفرعن فرعون ويطغى ويتجبر إلا لأنه لم يجد من يقف في وجهه ويضع لطغيانه حداً.

إن من أكثر الأمور إيلاماً أن نشارك الفاسدين فسادهم ، ونساعدهم في تحقيق غاياتهم ومصالحهم الخاصة على حساب مصلحتنا ومصلحة أبنائنا ومجتمعنا ،، ثم ننتقد ونتذمر من الوضع المزري الذي وصلت إليه الأمور ،، ليس لنا الحق في الاعتراض على النتيجة الطبيعية للمقدمات التي كنا نحن أنفسنا سبباً فيها وجسراً للوصول إليها.

وباختصار لمن يقول اربط حماري هنا أو هنا .. ردها عليه : أربطه بنفسك أينما تحب . كل واحد أدرى بحماره ولكن اعلم أنك ستتحمل المسؤولية كاملة عن مكان ربطه .

المصدر: فلسطين الآن