الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 05:22 م

مآثر السلطان عبد الحميد الثاني

الخميس 03 أكتوبر 2019 09:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

مآثر السلطان عبد الحميد الثاني
أرسل إلى صديق

علي حجازي

السلطان عبد الحميد هو ابن السلطان عبد الحميد وكان من اقوى السلاطين العثمانيين ولكن لسوء الحظ جاء إلى السلطنة وهي تعاني من الكثير من الأزمات في الداخل والخارج إلى درجة جعلت الأعداء في أوروبا يسمونها بالرجل المريض وكان احد الأخوة الكرام قد تكرم بذكر احدى مآثر هذا السلطان العظيم وهي إنشاء سكة حديد الحجاز التي كانت تبدأ من محطة حيدر باشا في استانبول مروراً بحلب ودمشق والأردن إلى ان تصل إلى المدينة المنورة عندما كانت هذه الأراضي تابعة للسلطنة العثمانية وبالرغم من العوائق السياسية والصعوبات المادية والجغرافية إلا ان السلطان عبد الحميد بحكمته وصبره وإصراره ونظراته الثاقبة تمكن من إنشاء السكة وإنهاء العمل بها متحدياً المعارضة الكبيرة من جهات داخلية وخارجية وصعوبات يثيرها الأعداء وعلى رأسهم اليهود.

آنذاك كانت الإمبراطورية تعاني من أزمات مادية وتراكمت عليها الديون ولكن السلطان تبرع بمعظم ثروته الخاصة وجمع النقود اللازمة من عدة مصادر ليكمل العمل في إنشاء السكة وكان من اهم الأسباب الداعية إلى إنشاء هذه السكة هو نقل الحجاج الذين كانوا دائماً يتعرضون للسطو والنهب والسلب على أيدي المنافقين من الأعراب الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم إضافة إلى ذلك كانت السكة الحديدية تسهل نقل الجنود والبضائع وسائر المعدات اللازمة ولم يقتصر الأمر على إنشاء السكة الحديدية بل كان السلطان يقوم بكافة الأعمال الإصلاحية من بناء المدارس والمستشفيات وفتح الطرق والتنظيم الإداري فكانت يده تمتد إلى كل ما هو بحاجة لإصلاح وكان وجوده يثير قلقاً لأعدائه وخاصة اليهود فهم الذين كانوا يحقدون عليه ويثيرون الاضطرابات في أرجاء الإمبراطورية.

أما السكة الحديدية فكان اشد المعارضين لها هم الأعراب الذين أفادوا ان السكة حرمتهم من الاستفادة من الحجاج الذين كانوا يضطروا ان يمروا من الأراضي في الصحراء واعتبر المنافقون أنها حرمتهم من نعمة الاستفادة أي انه اعتبروا الاعتداء وعمليات السلب والنهب الذين كانوا يقومون به من نوع المصلحة لذلك اخذوا بالاعتداء على المحطات التي يتوقف بها القطار ونهبها وتخريب السكة وسرقة حديدها وأخشابها إلى ان اضطر السلطان إلى تقديم الدعم إلى رؤسائهم أي ان الإمبراطورية العظيمة التي هزت العالم بالفتوحات التي تهدف إلى نشر الدعوة اضطرت إلى دفع خاوة لهؤلاء المتخلفين لتجنب شرورهم أثناء إنشاء السكة استعان السلطان بالمهندسين من الخبراء الألمان والأتراك وكان على رأسهم المهندس ناصيف الذي ترك اسمه وراءه في جبل النظيف في عمان الذي سمي باسمه.

من هم يهود الدونما: يهود الدونما هم اليهود المتخفون استجابة إلى حيلة الغدر التي افرزها عقل اكبر الحاخامات اليهود وهو الحاخام زيفي الذي اقترح في عام 1627 في مدينة ازير وكان اشد الحاقدين على السلطنة ان على اليهود العمل على هدم الإمبراطورية من الداخل لأنه لا يمكن هزيمتها من الخارج وبناءً على ذلك سمح لليهود ان يعتنقوا الإسلام ظاهرياً ويحافظوا على يهوديتهم بالسر وان تكون هذه العائلات على اتصال مع بعضها البعض وهكذا اعلن الكثير من العائلات اليهودية اعتناقهم للدين الإسلامي وتسموا بأسماء تركية وعربية ولكنهم حافظوا على يهوديتهم وعلى مر السنين تمكن هؤلاء من اختراق المجتمع التركي وتغلغلوا في الإمبراطورية ووصلوا إلى المراكز الحساسة في الدولة وفي الجيش وعاث هؤلاء فساداً في أرجاء الإمبراطورية ومنهم كبار التجار والأثرياء واصبح لهم نفوذ حتى داخل قصر السلطان اذ استطاع احد الوزراء وهو محمود باشا الاقتراب من السلطان وإظهار الولاء له إلى ان تمكن من الزواج من شقيقته دون ان يعلم احد انه من يهود الدونما وامتد بعد هؤلاء إلى الأقطار العربية المجاورة ومنهم من جعل مقابره في وادي موسى حيث يقومون بدفن موتاهم هناك حسب الطقوس الخاصة لهم ولا يسمحون لأحد بالاقتراب منهم.

أما من حيث فلسطين فقد سجل السلطان اسمه في سجل الخالدين عندما رفض بكل إصرار محاولات ثيودور هرتزل ورفض المبالغ الطائلة التي عرضها اليهود لسداد ديون الإمبراطورية وإعطائه مبالغ كبيرة أي رشوة مقابل السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين بل طرد هرتزل في النهائية ولم يسمح له بمقابلته وقال كلمته الشهيرة: «والله لو أعطوني ذهب الدنيا فلن أعطيهم شبراً من أراضي فلسطين التي هي ملك لجميع المسلمين وليست ملكي الخاص»، وهكذا ازدادت نقمة اليهود عليه إلى ان اضطروه أخيرا الى التنازل عن السلطنة وعاش حياة المنفى في سالونيك وتشتت آل عثمان في مختلف أقطار العالم وللغرابة فقد ركبت مع سائق تكسي من دمشق إلى بيروت أثناء بحثي عن مكان للدراسة وكان السائق شابا في الأربعين من عمره ويتكلم اللغة العربية بلهجة مكسرة وكان الناس ينادونه بالأمير وعرفت أثناء الرحلة انه من آل عثمان وكان شاباً مرحاً بالرغم من ما مر به وعرفت فيما بعد انه غادر إلى فرنسا حيث أقام بها حتى وفاته.

الحديث طويل عن هذه الأسرة العظيمة وقديماً قال الشاعر:

دارَ الزّمانُ على دارا وقاتله    

            وأمّ كسرى فما آواهُ إيوانُ

المصدر: فلسطين الآن