الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 06:21 ص

فترة وتمضي.. دعوها تعيش حزنها في سلام

الخميس 03 أكتوبر 2019 06:20 م بتوقيت القدس المحتلة

فترة وتمضي.. دعوها تعيش حزنها في سلام
أرسل إلى صديق

سمية البقالي القاسمي

فتاةٌ مليئة بالحياة، تُدخل البهجة في قلوب من تلتقيهم، لا تمَل من الضحك أبداً، طموحة وإيجابية ومُتفائلة، تُحب البحر والجبل والطبيعة، وتَنتظر بفارغ الصَّبر يومَ الأحد لتخرج مع أبيها وإخوتِها إلى مكان جديد. طموحاتُها تُحاكي بِعُلوها وعددِها النُّجوم، تسعى جاهِدة لتحقيقها وكُلُّها يقين أنها سَتصِل يوماً إلى ما تُريد. تُغَني كثيراً، ولا تمَلُّ من تمرير يدَيْها على أوتار قيثارتِها -رغم أنها لا تَفقهُ في العزف شيئاً -لكنها تستمتِع بذلك.

تقضي وقتاً طويلاً في ملاعبة أخويها الصَّغيرين، تلمع عيناها فرَحاً إذا سمعت إحدى أغاني اسبيستون، وتبدأ في ترديدها كطفلة في العاشرة من عمرها. تعلُو وجهَها ابتسامةُ طفلٍ حينما يَرى لُعبتَه المفضلةَ إن هيَ رأت قطةً أو زهرة، وتنبهِر كلَّ يوم بجمال الجبال المُمتدة طولَ مدينتها.

دُون سابق إنذار، تنتقل من حال إلى حال، وتتحول فجأةً إلى عجوز بلغَت من الكِبَر والحُزن عتيّاً، يعتريها فجأةً إحساسٌ باليأس والحُزن والخوف، يجعل قلبَها ميتاً لا حياة فيه، يَسلبُ منه ألوانَ أحاسيسه ويجعله رمادياً، تتقوقع على نفسها، تُحاول الهربَ مِن العالم والانزواءَ في رُكن مُظلم من غرفتها، تُصيبها نَوباتُ بكاء دون سبب يُذكر، تفقد الشّهية ورغبتها في القيام بالأشياء التي كانت تستمتع بها، وتغرق في دوامة الخَواء والفراغ واللاشيء.

تبدأ صباحَها بمعركةٍ للنهوض من نومها لتواجه حياةً بئيسةً في عينَيْها، وتقضي يومها في النِّضال من أجل رسمِ ابتسامة على وجهها، وعدم البُكاء في الشارع أو الكلية، لا يُبهرها منظر الغروب، لا تلتفت لِقطَّة مَرَّت بِجانب قَدمَيها، ولا تُغريها رُؤية إخوتها وهم يستعدون للذهاب مع أبيهم لرؤية مدينتهم من أعلى الجبل. تُريد فقط الاختلاء بحزنها الذي زارها فجأة.. تُواجه انقباضَ صدرها، وتُصارعه لِتُقنعهُ أن لا شيء يستدعي القلق والخوف، تتحاشى رؤيةَ وجهها في المرآة، تعلم أنها لن ترى سِوى جسد نحيلٍ مُخيفٍ تحيطُ به هالة من الكآبة.

مزاجُها سيئ، أعصابُها مشدودة كأنها قُنبلة مَوقوتة تنتظرُ من يَقترب منها كي تَنفجر فيه غضبا، تظل خائفة من شيء ما تجهله، تُقاوِم، تُكابِر، لكنها ما تفتأ أن تضطرَّ لتحَمُّل العِتاب وكلامِ المحيطين بها؛ أمُّها تطلب منها أن تنزِع وشاح البؤس وتَخرج من كهفها/غرفتها، أختها تَصِفها بـ "ناشرة البؤس" -كأنها سعيدة لأنها تعيش حالة الحزن تلك- وصديقاتها يُعاتبنها لأنها لم تستجِب لدعوتهن للخروج معاً في آخر الأسبوع، لا أحد يعلمُ معاناتِها المتواصلةَ وهيَ تُحاول انتشالَ نفسِها من ذاك الوَحل المُتحرك الذي يخنِق روحَها ويبتلِعُها رويداً رويداً. لا أحد يعلم مدى اشمئزازها من نفسها وهي على تلك الحال، لا أحد يفهم أن نواقِلها العصبية لا تعمَل بشكل طبيعي، وأن كل ذلك سببه هُرمونات لعينة.

أحوالٌ وتغيراتٌ مُفاجِئة، وشحناتٌ مُكهربة لا يعلم هَولها إلا من يُكابدها، فالتمسوا الأعذار، ولا تتسرعوا في إلقاء اللوم والعِتاب على من ليس بيده حيلة، ارفقوا باللواتي نال مِنهُنّ انخفاضُ معدل هورمون السيروتونين في أجسادِهن ؛ فحينما نكون على تلك الحال، نكون في أمس الحاجة لِكلمة طيبة ولمسة حانية، ورغم ادِّعائنا برغبتنا في البقاء لِوحدنا، فنحن نكون في أمس الحاجة لمن يرفض طلبنا ويبقى بجانبنا، نحتاج فقط همسة تخبرنا أن لا شيء يستحق حزننا، وتُذكرنا أنها فترةٌ قصيرة وستمضي سريعاً كما مرت سابقاتها، وأن كلَّ شيء سيكون على ما يُرام.. فإن لم تستطيعوا فعلى الأقل اتركونا نعيش فترة حزننا بسلام.

المصدر: وكالات