الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 04:35 م

لماذا يهرب الناس من اتخاذ القرار؟

السبت 05 أكتوبر 2019 01:00 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا يهرب الناس من اتخاذ القرار؟
أرسل إلى صديق

حارث العباسي

في الحياة، في الحب، في الكره، في الخير، في الشر، ثمة دافع يدفع الإنسان لعمل شيء ما في حياته، يقدم من خلاله أو يحجم عنه، الحالة الطبيعية للإنسان أن يكون في عمل يقوم به، أو حرفة يحترفها، الوقوف موت، أو كما قال أحد المفكرين: "إذا كان السكون لغة الأموات، فالحركة لغة الأحياء". لكن الحركة في الحياة والسعي وراء هدف أو حلم أو رحلة، يحتاج إلى قرار، وهنا تكمن الصعوبة ويظهر التحدي، وستجد الإنسان أكثر ما يحجم عنه في حياته هو القرار، وكثير من الناس يعيش في حالة من اللا قرار، عشوائية متراكمة، بل إن الحياة هي من تملي قراراتها على كثير من الناس.

كم حالة انفصال بين زوجين كانت تحتاج إلى قرار جريء لم يتخذْه أحدهما كان بالإمكان أن يوفر عليهما وقت للتغيير، وكذلك يوفر إلا يبتلي أناس آخرون في حياة خاطئة، فيأتي الأولاد وتكبر العائلة مع مرور الأيام، ويصبح القرار من المستحيل الأقدام عليه في ظروف كهذه. نسبة كبيرة من البشر يعملون في تخصصات لا يحبونها، ولا يرغبون القيام بها، لكنّ ظرفاً ما، ألجأهم إليها، فغدا هذا العمل يسبب قلقاً وحالة من عدم الطمأنينة للإنسان، تمضي الحياة ويكبر معها الوجع والألم، الخوف من القرار، مصيبة كبرى، تذهب بحياة الإنسان، ليقضي سنوات عمره حسرة وندامة، لو أنه اسرع باتخاذ القرار.

كان يشاهدها تغدو كل صباح إلى الجامعة، ينظر إليها، يتأمل مشيتها وحركتها، حفظ حتى شكل خطواتها، ألِفَ شكلها وهندامها، اعجب بسمار بشرتها، وسواد عينيها، ورشاقة بدنها، ورقة ثغرها، يعرف كل تفاصيلها، من أين تقبل! ومن أين تدبر! استمر على هذا الحال ما يقرب العام، واستمر بتأجيل أن يفاتحها يوماً ما، أن يخبرها بإعجابه بها، أو أن يتقرب منها كثيرا فيغمزُ لها بعينه، لم يفعل اَي شيء قضى الكثير من الوقت، ينتظر الفرصة، والفرصة لا تأتي في بعض الأحيان إن لم نذهب إليها، وحين حانت الفرصة، ارسل من يكلمها، فوجد أنه تأخر طويلاً، فضاعت منه، مثل هذه القصة يعيشها الكثير من الشباب، حالة من اللا قرار، فتضيع الفرص، ويستهلك الإنسان نفسه في أشياء لا يحبها ولا يرغب بها، وفجأة نجد أن العمر قد انقضى وأيامه قد ولت، وأقبل الموت نحوه، ليتذكر حينها أن ثمة قراراتٌ لم تتخذ بعد، فات الأوان، وما عاد ثمة فرصة أخرى.

كثيرٌ من الناس تراودهم أحلام كبيرة، وأهداف عظيمة، وطموحات رائعة، ما الذي يجعل بعض من الناس يحققها ويجعلها واقعاً، ويبقى قسم آخر، عالقة في أذهانهم مجرد أحلام تأتي للذهن وتذهب، من جعلها حقيقة، قرر أن يذهب إليها بنفسه، وتحمّل ضريبة قراره، سلباً وإيجاباً، ومن لم يتخذْ قراراً بقيت فكرة مجردة لا حراك فيها، لهذا القرار وإن كان خطأ أفضل بكثير من حالك اللا قرار التي يعيشها كثير من البشر في عالمنا، القرار خطوة نحو حياة جميلة، وقد يكون العكس، فلا ضمانات مطلقة في الحياة.

مما سبق يتضح لنا أن القرار له ضريبة، لأنه نتيجته تغيير في الحياة، وفي نفس الوقت له ضريبة الخسارة المحتملة ولو بنسب قليلة، ولأن كثيراً من الناس ألِف حياة الاستقرار ولو كانت على حساب صحته ونفسيته، يتردد كثيراً في أي قرار يقدمُ عليه في حياته، ولأن المسؤولية ستكون كبيرة على الإنسان، تراه يبحث عمن يتخذ له قراراً بدلاً عنه، فترى كثير من الآباء يتخذ قرارات لابنائه في قضايا مصيرية في حياتهم، كالزواج والدراسة والعمل والسفر، وقسم آخر تكون دوائر عملهم هي من تتخذ لهم القرار، إن الذي يحسن اتخاذ القرار، يحسن إدارة الحياة، ومن يجرؤ على القرار، لا محالة سيكون جريئاً على التغيير.

المصدر: وكالات