الخميس 24 أكتوبر 2019 08:04 ص

القدوة.. ليست مجرد أسلوب تربية

الثلاثاء 08 أكتوبر 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

القدوة.. ليست مجرد أسلوب تربية
أرسل إلى صديق

أيمن تيسير دلول

كان يضربُ ابنه الفتى وبشكلٍ عنيف للغاية، وحينما نهض جيرانه للفصل ما بينه وبين ابنه، وجدوا بأن الوالد يضربُ ابنه؛ لأنه اكتشف أنه يُدخن السجائر خِلسةً، ولا ينبغي لمثله التدخين، خشيةَ ضررٍ على صحته، أو أخلاقه.. كلامُ الوالد أثار حفيظة أحد جيرانه الذين فصلوا بين الاثنين.. هز رأسه، وتنهدَ عميقاً، ضاغطاً على أسنانه التي لم تحتمل الغضب الذي اعتمل في نفسه، وقرر أن يخرج عن صمته: تطلب من ابنك عدم التدخين والسيجارةُ في يدك؟. هل أنتَ تتصرف بالعقل والمنطق؟! تلك قصةٌ واقعية، تتكرر باستمرار معنا بأشكالٍ أخرى، فيها يقوم "الراعي" بالطلب من "الرعية" اتباع نهجٍ هو لا يقوم به أصلاً، أو التوقف عن فِعلٍ لا يجدُ غضاضة في تكرار القيام به أمام عيونهم، فكيف ستنجح القدوةُ في أداء رسالتها؟

منذ القِدم كان الحديثُ من الخبراء والعلماء والقادة عن "القدوة" ودورها في التربية، كونها أحد أهم الأساليب التربوية التي من شأنها تغيير سلوك الأفراد للحالةِ التي يقوم بها ذات الشخص "القدوة" إيجاباً أو سلباً، لكن القدوة ليست أسلوب تربية فقط، إنما تخطت ذلك وأصبحت في ظل التطور المجتمعي وانتشار وسائل الإعلام وتطورها، لأسلوب مهم من أساليب القيادة، وعن ذلك أتحدث. "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، الآية 44 من سورة البقرة تختصر الكثير من المشهد على القائد والمدير والوزير والغفير، فطبيعةُ النفسُ البشرية لا تسمعُ لمن لم يكن في مستواها المادي أو المعنوي، بل إنها تعتبر من كان مستواه أعلى منها ليس أكثر من كونه يُمارسُ التعالي عليها.

بل إن الرسول "صلى الله عليه وسلم" قائدنا وقدوتنا ومعلم البشرية الخير، أدرك أثر القدوة التي يُمارسها القائد على الجُند، فشارك الجنود في حفر الخندق مع ما يحمله مما أصاب جنوده وصحابته من خوفٍ ورعب، وشاركهم من قبلها في بناء المسجد، وشاركهم الجوع.. فقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر رضي الله عنه أنه لما حفر النبي "صلى الله عليه وسلم" وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع.. لنتخيل مثلاً كيف سيجد القائد استجابةً من جنوده لو لم يكن مثلهم.. لقد أظهر النبي "صلى الله عليه وسلم" الجوع لجنوده وصحابته، فربط حجراً على بطنه، يُشاهده من يسألُ عن حاله، وهو ما يجعل الأمر أدعى لتحقيق استجابةً من الجنود لقائدهم، بل واندفاعاً نحو المهالك في سباقٍ معه ودون تردد.

"إن قوة الأمير هي في قوة الشعب لا في قوة الجدران التي يتمنع خلفها؛ لأنه ليس ثمة حصن قادر على حمايته إذا ما ثار الشعب عليه، ولذا فالأصل في الحكم هو كسب ثقة الشعب ودعمه لا الانفصال عنه من وراء جُدر"، ذلك ما يقوله الطيب بوعزة في كتابه "نقد الليبرالية"، وهو أمرٌ طبيعي بكل تأكيد، فكل قائدٍ أو وزير لن يجدَ ثباتاً في مكانه أو منصبه إن انفصل عن الشعب. صحيح أن غالبية القادة في مجتمعاتنا العربية مُنفصلون عن مجتمعاتهم، ويعيشون في أبراجٍ عاجية في أماكن بعيدة لا يشعرون من خلالها بالجوع أو الحرمان الذي تشعرُ به شعوبهم، ويعتقدون بفعلهم هذا أنهم أقوياء بقوتهم، لكنه ما أكد خلافه التاريخ، فلن تحمي قائد أو وزير ورئيس حاشيته أو أبراجه مرتفعةَ البنيان.

يقولُ أحدهم "لكي لا نكون مُستعمَرين، يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار"، ومن أعظم أشكال الاستعمار التي عشعشت في عقول القادة والمسئولين أن الابتعاد عن أبناء مجتمعهم يأتي في سياق الالتزام بـ" البريستيج" أو "البروتوكول" الذي تسللت من خلاله العديد من الأنظمة الغربية داخل بلادنا العربية وأفكار قادتنا، فاختطفت عقول قادتنا، وتمسكت بما تركناه بإرادتنا. على مدار الزمن، نقل لنا المؤرخون بأحرفٍ من نور نماذج قادة شكلوا نماذج اقتداءٍ لشعوبهم، وفي ذات الوقت نقلوا لنا قادةً كنستهم شعوبهم، حينما وجدت فيهم أشخاصاً منفصلون عن الواقع الذي يعيشونه. وكل شخصٍ فينا ينبغي أن يستخدم "القدوة" كأسلوبٍ لدفع الآخرين نحو الاتباع، غير أن "القدوة" التي يُمارسها الرئيس أو الأمير ليست بوزن وأثر القدوة التي يستخدمها الرجلُ في بيته أو بين أبنائه، وطبيعةُ الأوزان تختلفُ من رُتبةٍ أو مكانة لمكانةٍ أخرى.

وهو الأمر الذي أتفقُ فيه تماماً مع ما يطرحه الدكتور عصام البشير الفقيه والشاعر السوداني المعروف، حينما قال في إحدى دراساته: "من الحكمة في الدعوة أن: نُقدم القدوة قبل الدعوة، وذلك بأن يكون الداعية مصباح دجى وإمام هدى وحليف تقى، قبل أن يكون خطيباً مفوهاً متحدثاً بارعاً".. باختصار، فإن ممارسة أداة القدوة كفيلة أن تحقق في صفوف الأتباع ما لا يمكن أن يحققه القائد بالمؤتمرات والخطابة والرسائل وغيرها. التاريخ لا ينقلُ لنا فقط القادة الذي كانوا "قدوات" في المنشط والمكره بين شعوبهم، بل إن أرشيف التاريخ أوجد لنا مكاناً بين زواياه للحديث عن قادةٍ، طالبوا شعوبهم بمحاسبتهم إن لم يجدوهم على قدر المسئولية، أو أنهم نقضوا العهد الذي بينهم في كونهم قدوةً تُمثلُ شعوبهم، في الزهدِ والعفة.

لقد وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "رضي الله عنه"، خطيباً في الناس وقال لهم: "أيها الناس من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومني"! من من قادة أو مسئولي بلادنا يجرؤ على قول ذلك؟، فكلهم يعتقدون أنهم الأفضل ولا يُخطئون، أو لا يجوز للرعية سؤالهم. عمر ابن الخطاب لم يتحدث بذلك رياءً، بل أراد أن يكون قدوة في الإدارة والقيادة، فوجد ما كان يطمحُ إليه، فقد وقف له رجل ورد عليه: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"... هل تتخيل كيف يقف أحد الناس أمام مدير دائرة في مؤسسة، وليس أمام وزير ويقول له: سنحاسبك إن وجدنا منك التقصير. ليس هكذا فقط، بل إن عمر الأمير رد عليه بقوله: "الحمدُ لله الذي جعل في المسلمين من يُقوِّم اعوجاج عمر بحد سيفه"، فهو عقد اجتماعي بين القائد والرعية، قوامه قيام الاثنين بدورها دون خللٍ أو تقصير..

للأسف الشديد، فإن الكثير من الشواهد يقرأها كل واحدٍ منا عن أثر "القدوة" في استجابةِ المحيطين به دون التكلفة المالية إعلامياً أو غيره لترويج الذات دون نجاح حقيقي، وهذا بكل تأكيد ينطبق تماما مع ما يقوله مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: "إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنا في الهواء، وهذا القلبُ للأوضاع هو المظهرُ الجديد لمشكلة نهضتنا".

المصدر: فلسطين الآن