الخميس 24 أكتوبر 2019 09:01 ص

التجسس بين الماضي والحاضر

الأربعاء 09 أكتوبر 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

التجسس بين الماضي والحاضر
أرسل إلى صديق

محمد الكايد

حب الوطن أولاً ومن ثم الشخصية والكاريزما والقوة، بالإضافة إلى إجادة اللغات ودورة تدريبية لعدة أشهر وبضع جوازات وأسماء مزورة كانت كفيلة بصنع جاسوس يخترق المطارات والموانئ ليكافح من أجل الوصول إلى معلومة مهمة يرسلها بالحبر السري إلى عدة عناوين قبل أن تصل إلى وطنه الأم، أو التقاط صور صغيرة بكاميرا سرية ليرسل المايكرو فلم مهرباً في كعب حذاء أو لعبة أطفال إلى بلده، وكان ذلك يعد انتصارا لا مثيل له وضربة مؤلمة للطرف الآخر.

أما الآن فقد اختلف الوضع وأصبحت الأمور السابقة متاحة للجميع دون تجسس أو مخاطرة بفضل التقدم التكنولوجي الهائل والانفتاح بين الدول، وانتقل التجسس من مرحلة محاولة الحصول على معلومات عن العدو تساعد في الصراع القائم معه إلى مرحلة زرع العملاء في مراكز صنع القرار العليا لينفذوا الأجندة الموضوعة والتعليمات التي يتلقوها من رؤسائهم، وتطورت مراحل نمو العميل من تاجر بسيط أو ضابط نبيه إلى حاكم أو رئيس لا يخجل من عمالته العلنية لأعداء أمته وشعبه.

لقد كانت السرية التامة هي السمة البارزة بين كافة الجواسيس الذين سمعنا قصصهم وشاهدناها في فلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، حتى أن أقرب المقربين لهم لم يكونوا على دراية بعملهم الحقيقي، وكانوا غالباً ما يتنكرون بشخصية التاجر الثري المغترب عن وطنه أو السائح المستمتع بالمعالم السياحية أو رجل الأعمال الذي يفكر بفتح الاستثمارات والمشاريع أو موظف المنظمات الدولية والإنسانية الذي جاء ليساعد هذا البلد من وازع إنساني بحت، أما الآن فقد أضحى الجواسيس والعملاء أشهر من النار على العلم، وما عادوا يرتدون القبعات ويتخفون خلف الجرائد في المقاهي لمراقبة هذا أو ذاك، بل أصبحوا يرتدون أفخر الملابس الرسمية ويصدحون على منابر الإعلام بالخطب الرنانة يتبعهم جيش كامل من المتنفذين المستفيدين من عمالتهم، مدعمين بفنانين وإعلاميين عرضوا أقلامهم وأصواتهم في مزادات علنية لمن يدفع أكثر، وتقلبوا وتلوّنوا كما الحرباء وبدلوا مواقفهم بما يخدم مصالحهم الشخصية بعد أن ضرب السبات على ضمائرهم سنين عددا.

يا لهذا الزمن الذي نعيشه، حتى العمالة والتجسس في السابق كانت أشرف وأنقى وأطهر، وكان النزال حراً والغلبة للأذكى، والأهم من ذلك أن الصراع قديماً كان بين الوطن بجيشه وقيادته وبين الأعداء، أما الآن فالصراع أضحى بين القائد بجيشه وحاشيته ومرتزقته وبين الشعب بفلاحيه ومعلميه ومسحوقيه من الطبقة المتوسطة والمعدومة، وتغيرت الأهداف من كسر العدو وهزيمته إلى سحق الشعوب للاستمرار بالجلوس على كرسي الحكم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، ولم يعد العدو بحاجة إلى المخاطرة بمواطن شريف من شعبه وزرعه في الدولة المعادية ما دام رأس الهرم في تلك الدولة ما هو إلا عميل وجاسوس يخدم مصالحهم ويحقق غاياتهم وقد يكون ولاءه لدولتهم أكثر من ولاءهم أنفسهم، وما عاد هناك ضرورة لدفع التكاليف ما دام ذلك الجاسوس من النوع الفاخر الذي بدل أن يتجسس ويأخذ المال يتجسس ويعطي المال لهم أيضاً، فهذا ما لم يحلموا به في يوم من الأيام.

وفي وسط هذه المعمعة القذرة من العمالة فالخاسر الوحيد هو الشعب، الذي بات يعيش حاله من الانفصام الممزوج بالقهر، فسابقاً وبرغم تردي الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية إلا أن العدو كان واضحاً والصراع كان مكشوفاً، وكان المرء يرى بعض من نفحات وطنية ولو بسيطة في أروقة الحكام، أما الآن فقصورهم وإن كانت جغرافيا قريبة وداخل حدود الوطن لكنها ولائياً ووجدانيا فهي في ضواحي تل أبيب أو واشنطن أو طهران، وقلوبهم ما عادت تهتز للسلام الوطني لدولتهم أبداً، لكنها تنتفض ذعراً من مكالمة من هنا أو هناك، وما عاد الحاكم يقف عند عجوز فقيرة تبيع الخضار في منطقة شعبية في وطنه، وما عاد يقف عند طفل يتيم على إشارة ضوئية، وما عاد يقف لشاب يستصرخ طالباً عملاً يعتاش منه، وما عاد يقف لثكلى راح فلذة كبدها فداء لما كان يعتقد أنه وطن، وما عاد يقف لمريض مسجى أمام المستشفيات يستجدي علاجاً أو دواء، الحاكم أصبح يقفز واقفاً فقط إذا رن جرس الهاتف من تل أبيب أو واشنطن.

المصدر: وكالات