الجمعة 15 نوفمبر 2019 05:37 م

حتى الحجر ينطق بعروبة فلسطين

الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

حتى الحجر ينطق بعروبة فلسطين
أرسل إلى صديق

ياسر سليمان أبو غليون

في تموز الماضي تم الإعلان عن اكتشاف نادر من نوعه في الشرق والعالم أجمع، حين كشف النقاب عن العثور على بقايا المسجد الأقدم في مدينة بئر السبع جنوب فلسطين، والذي يمتد لما يزيد عن ألف عام، أثناء التحضيرٍ لبناء حي استيطاني صهيوني جديد في قرية رهط البدوية التابعة للمدينة، وقد أظهرت البيانات الأثرية أن هذا المسجد تم بناؤه بعد مرور خمسين عاماً على بداية الفتح الإسلامي.

سميت مدينة بئر السبع بهذا الاسم نسبة لبئر ماء كانت ترتاده السباع المفترسة، ولربما أن الاسم مأخوذ من سبعة آبار مائية، في حين تتحدث الرواية الثالثة عن قصة النعاج السبع التي أهداها نبي الله ابراهيم الخليل عليه السلام إلى حاكم المنطقة، ومن المعلوم أن وصول الإسلام لهذه البقعة كان بعيد الفتح الإسلامي عام 636 ميلادي، بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى بسنوات قليلة، وقد فتحت جيوش الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس، وسرعان ما امتد الفتح الإسلامي ليشمل أرض فلسطين كلها.

وتم العثور على هذا المسجد بالتعاون بين فريق أثري يهودي وبعض الشبان المتطوعين ومجموعة من البدو المستكشفين، في موقع أثري بتاريخ يرجع لما يزيد عن ألف سنة، ويمكن وصفه من بين المساجد الأقدم في العالم، حيث يتموضع في صحراء النقب جنوب فلسطين، ويعود بناؤه إلى القرن السابع الميلادي متزامنا مع وصول الفتح الإسلامي إلى جنوب فلسطين.

وتأتي أهميته من كونه ينطوي على حقائق جديدة تضاف الى ما هو متعارف عليه من أن المساجد الكبيرة كانت تتمركز في حواضر العالم الإسلامي، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف ودمشق، وبالتالي بتنا إزاء حقائق معرفية جديدة على الأرض تتطلب مزيدا من البحث والدراسة من قبل العرب أنفسهم، ومن المذهل حقا أن تعثر على مكان للعبادة بهذه الأقدمية، والذي كان جمهور المصلين فيه يأتون في أغلبهم تحديداً من فئة المزارعين القرويين لريادة هذا المسجد بشكله المستطيل، على مساحة تقارب مساحة كراج يتسع لسيارة واحدة، في حين تم إتقان بناء المحراب المتجه جنوبا نحو مكة المكرمة.

ويعد هذا الكشف مؤشراً على سرعة دخول الإسلام إلى مدينة بئر السبع بصورة مبكرة نسبيًا، وهذه السرعة القياسية تعطي دلالات على مدى تقبل الدخول في الإسلام من قبل المقيمين في تلك البقعة، علاوة على مؤشرات أخرى تؤكد أن المنطقة كانت مأهولة إلى الحد الذي دفع بعمرو بن العاص لاتخاذها دار إقامة له ببناء قصر عجلان في قضائها، ومن الدلائل على أنها كانت مدينة عامرة ما قيل من أن سليمان بن عبد الملك كان يقيم بها حينما جاءته الخلافة، وما أثبتته المصادر التاريخية من أن والي فلسطين سعيد بن عبد الملك الذي عرف بحسن سيرته كان نازلاً بها، ولعلها اكتسبت تلك المكانة من إشرافها على ملتقى ثلاث بيئات جغرافية متنوعة ما بين الجبال التي تحدها من الشمال، والصحراء التي تحدها من الجنوب، والسواحل التي تحدها من الشمال الغربي.

وبالعودة للاكتشاف الجديد الذي شكل نقلة نوعية في تناول الشواهد الأثرية التاريخية على عروبة فلسطين، فإن منبع الأهمية يكمن في حقيقة كون هذا الاكتشاف المتعلق بالقرية والمسجد الواقع في جوارها بمثابة تأكيد كبير على أهميتها لكونها نقطة انطلاق نحو مصر تشرف على القوافل التجارية وفي مرحلة متأخرة بعد ذلك قوافل الحجيج، ومن نافلة القول أن التوصيف الأدق لعمليات الحفر والتنقيب التي يجريها علماء الآثار الصهاينة في أراضي فلسطين المحتلة، ما هي إلا محاولات يائسة لإثبات مصداقية روايتهم الكاذبة بأحقية امتلاك المكان، إلا أن نواتج تلك الحفريات على الدوام تأتي مخالفة بحيث تدحض الأكاذيب والأساطير الصهيونية، التي تبنى على دعاوى أن أجدادهم تواجدوا فيها منذ ثلاثة آلاف عام، في حين كشف النقاب مثلاً في غرب مدينة القدس المحتلة عن قرية تعود إلى تسعة آلاف سنة.

ووجد ضمن مقتنياتها الأثرية مجوهرات وحلي وتماثيل ورؤوس أسهم وفؤوس وسكاكين صوانية، وحفر حجرية مخصصة لتخزين الحبوب، كما تم العثور على بقايا حبوب كالعدس والقمح التي كان السكان البدو ولا زالوا يبدعون في زراعتها وتخزينها، فمعيشتهم كانت تعتمد على الحبوب وتربية الماشية والمياه الجوفية والسطحية اللازمة لري المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ولم يظهر أي دليل واضح على تربية الخنازير في المنطقة.

ختاما فإن هذه الاكتشافات الأثرية ليست هي التي تبحث عنها الحكومات الصهيونية، مما يفند مزاعمها بأن الشتات اليهودي هم السكان الأصليون، فالموجودات الأثرية في فلسطين تعود إلى مئة ألف عام، وهذه أدلة قاطعة على وجود حضارات وثقافات متتابعة سبقت الوجود اليهودي المزعوم بعصور طويلة، وإن من شأن ذلك كله بيان الأكاذيب والمزاعم الصهيونية، والقطع بأن الوجود البشري في تلك البقاع أقدم بكثير مما يزعمون، ليعود إلى العصر الحجري، ولينطق الحجر وبمعيته الشجر هذه فلسطين العروبة منذ الأزل.

المصدر: فلسطين الآن