الخميس 21 نوفمبر 2019 05:26 ص

وعد بلفور مرة أخرى وأخرى

الأحد 03 نوفمبر 2019 11:15 ص بتوقيت القدس المحتلة

وعد بلفور مرة أخرى وأخرى
أرسل إلى صديق

كاظم عايش

وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ووعد شعب لشعب آخر بإعطائه أرض شعب ثالث، هكذا قيل عنه، فهل هذا كل ما في الامر؟

ما يزال لهذا الوعد آثاره وتفاعلاته السلبية رغم مرور مائة عام او يزيد، وما يزال ينظر اليه أنه اكتسب شرعية لا اخلاقية من قبل من اعطاه وتقبله، وجعله واقعا عمليا فيما بعد، وهو يمثل عار المؤامرة السياسية، فهو مرتبط بالسياسة الاوروبية العنصرية للاستعمار في دعامتيها: الاقصاء القهري والاحلال المبرمج التي امتدت الى كل القارات، وجعلت من فلسطين وشعبها أهم ضحايا العنصرية والتمييز العرقي والطائفي، كما جعل من الكيان الصهيوني دولة وظيفية امبريالية تنفذ ما يطلب منها من قبل الدول الاستعمارية.

وهو رسالة أو تصريح وليس وعدا كما هو شائع بين الساسة او العامة، وكان هدف بريطانيا منه الحفاظ على مصالحها في الشرق الاوسط والسيطرة على الطرق التجارية بين الشرق والغرب وقناة السويس وموانئ الشام، ومستعمراتها في الهند والشرق الاقصى، وقد وجدت في مقررات مؤتمر بال 1897 ومباركة امريكا له فرصة لتحقيق اهدافها، فتواصلت مع زعماء الصهاينة واصدرت التصريح بالتأييد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، على ان لا يمس بحقوق غير اليهود أو حقوق اليهود في بلدانهم الاصلية.

وقد انتهكت بريطانيا بهذا الوعد وعودها للشريف حسين كما خالفت اتفاقية سايكس بيكو، وهذا ما يدفعنا لوصفه بالعار واللااخلاقية. وكانت الاسباب لهذا التنكر هو الموقف العسكري في منطقة بلاد الشام والصراع بين دول المحور والحلفاء على كسب اهالي بلاد الشام في المعركة العسكرية.

كما لا ينبغي أن نستبعد العامل الديني في اصدار هذا التصريح، اذ كان العديد من السياسيين الاوروبيين ومنهم لويد جورج البريطاني ونابليون يعتقدون بفكرة عودة المسيح، وخاصة الانجيليين المتصهينين، كما أن بريطانيا كانت حريصة على استبعاد الروس والفرنسيين عن فلسطين لأسباب دينية أيضا.

ويمكننا ايضا استحضار تصريحات الجنرال اللنبي حين قال: «اليوم انتهت الحروب الصليبية»، وقال مخاطبا قبر صلاح الدين: «ها قد عدنا يا صلاح الدين».

كما لا يخفى على احد ان بريطانيا هدفت من وجود دولة اليهود في المنطقة الى تمزيق الوطن العربي بفصل مشرقه عن مغربه، حتى لا يقوم له كيان يهدد مصالحها، اضف الى ذلك أن تنافسا بين فرنسا التي كان لها سيطرة في لبنان وبين بريطانيا التي كانت تخشى تعاظم نفوذها في المنطقة قريبا من قناة السويس.

كما أن بريطانيا هدفت من خلال هذا التصريح الى كسب ود وموقف يهود روسيا التي خرجت من عباءة الحلف الذي كانت تقوده بريطانيا، وحيث كان لليهود نفوذ واضح في ثورة روسيا البلشفية، كما أن بريطانيا كانت تريد التخلص من الوجود اليهودي في اوروبا، وخاصة بعد تزايد هجرة يهود شرق اوروبا الى غربها، وتعاظم نفوذهم السياسي فيها.

لقد التقت مصلحة بريطانيا والمصالح الصهيونية في اقامة الكيان اليهودي في فلسطين لأسباب دينية وسياسية، وحلا لمشكلة اليهود في اوروبا وولدوافع اقتصادية واستعمارية لبريطانيا وهكذا كان.

لم يكن التصريح المشؤوم وليد لحظة عابرة، فقد سبقه الكثير من المحاولات والدراسات في بريطانيا وفرنسا، وتاليا في امريكا، وأصبح اقامة الكيان اليهودي في فلسطين قناعة غربية مشتركة، واستغل الصهاينة هذا التوجه ووضعوا كل إمكاناتهم لتحقيقه، ليحق الاهداف الدينية والاقتصادية والسياسية ويبقي المنطقة العربية في حالة تمزق وتشرذم حتى لا تهدد مصالح الغرب الصليبي المتصهين.

تصريح بلفور باطل ولا يملك صفة شرعية ولا قانونية، ولا تكسبه موافقة الحلفاء عليه اي شرعية، ولا تملك بريطانيا اي صفة قانونية لإعطائه، وقد اصدرته قبل ان يقر لها المجتمع الدولي اي صفة اعتبارية في فلسطين، وما بني على باطل فهو باطل.

المصدر: فلسطين الآن