الإثنين 18 نوفمبر 2019 01:39 م

الاحتجاجات الشعبية في البلاد العربية: أسبابها ودلالاتها ومآلاتها

الأربعاء 06 نوفمبر 2019 08:03 ص بتوقيت القدس المحتلة

الاحتجاجات الشعبية في البلاد العربية: أسبابها ودلالاتها ومآلاتها
أرسل إلى صديق

علي العتوم

هي ما أُطلِقَ عليه في الأوساط الإعلامية «الربيع العربي» والتي بدأتْ منذ ما يقرب من عشر سنوات. وهي في حقيقتها انتفاضاتٌ جماعيةٌ وانتقاضاتٌ جماهيرية على الأوضاع السياسية السائدة في أقطارنا المختلفة. وقد انطلقتْ آنئذٍ من تونس ثُمَّ انتقلتْ إلى ليبيا، ومن ثَمَّ اشتعلتْ في مصر وسورية واليمن والعراق. وقد نجحتْ سريعاً في أقطارٍ وتلبَّثَتْ في أُخرى، ثُمَّ انقُلِبَ عليها في أكثرها نتيجةَ ما سُمِّيَ بالثورات المُضادّة بدفوعٍ داخلية وخارجية، خَشِيَ فيها أصحابُها من قوى الاستكبار العالمي ووكلائهم على مصالحهم في تلك البلاد، أنْ تتعرّض للخطر الشديد والزعازع الماحقة.

وقد أطاحتْ هذه الانتفاضاتُ العامّة بمعظم رموز هذه الدول بشكل مُذِلٍّ وصور مهينةٍ ونهاياتٍ زريّةٍ، إذْ فرَّ بعضهم من بلاده وعن دستِ مُلكه بليلٍ، وبعضهم قُتِلَ أبأسَ قِتلةٍ وبعضهم خُلِعَ من على سلطانه رغم أنفه، وبعضهم مُسِخَتْ هيبتُه ونُزِعَتْ مهابتُه، وإنْ لم يلقَ خاتمة أولئك الأشقياء ذاتَها. ولا مِريةَ أنَّ هذه الخواتم البئيسة التي صار إليها زعماء تلك البلاد، كانت جزاءً وِفاقاً، لِمَا اقترفتْه أيديهم بحقِّ شعوبهم من مآثِمَ شنيعةٍ وارتكبتْه من جرائِمَ فظيعةٍ، أرادها اللهُ لهم لإرادتهم هم بأعيانهم إيّاها لأنفسهم، لطاغوتيّتهم وتجبُّرهم، وتبعيّتهم الخانعة لأعدائه وأعداء دينه.

لقد تمثّلتْ مفاسِدُ أولئك الزعماء الذين أُطِيحَ بهم، ومَنْ هم على الطريق، بالولاء لأعداء الأُمّة، إذْ ساروا على نهجهم حذوكَ النعلَ بالنعلِ، مقابل وعودٍ خُلَّبٍ لهم بالحفاظ على صولجاناتهم الكسيحة، متحكِّمينَ بشعوبهم، كابتين لحرياتهم، سالبين لخيرات أرضهم، سارقينَ للقمة أطفالهم، بل خاطفين لذة النوم من عيون صغارهم وكبارهم، محتجنين ما تَفيض به سَلْطَناتُهم من أقواتٍ لأنفسهم ولمحاسيبهم، وكأنها أبقارٌ حلوبة في مزارع آبائهم وأُمهاتهم، فَفُقِدَ بذلك الأمن الغذائي وضاع السِّلم النفسي، فانتشرتِ البِطالة في المجتمع وتفشّى الفقرُ. هذا إلى الفساد السياسي من تلاعب الأحزاب بالسلطات المُوكَلَة إليها وضعف القوّة الصائنة لحمى الدولة، والفساد الاقتصادي بكساد الأسواق وتحكُّم فئات محدودة بمقدرات البلد، إلى المفاسد الخُلُقية والاجتماعية بانتشار المخدرات وبروز فئات البلطجية والزعران، وكأنهم هُمُ السلطات الحاكمة!!

وهذه الظواهر من المفاسد على شتّى الصُّعُد، لا نكاد نستثني منها بلداً واحداً في أقطارنا العربية مما يُشير إلى أنَّ هناك سياسيةً مُتَّبَعةً قد رُسِمَتْ لها ومنذ عدّة عقود للإبقاء عليها فقيرةً ممزّقةً متنازعةً، بل نائمةً هائمةً لا تُفكِّرُ بأيّ دورٍ ذي بالٍ لها في المحيط الدولي، وأنّه قد رُتِّبَتْ أمورُها من قوى الاستعمار الدولي التي ظهرتْ إثرَ الحربَيْن العالميتَيْن الأولى والثانية: زعماءَ ودساتيرَ وسياساتٍ ومناهِجَ وأفكاراً وتوجّهاتٍ، مع الحرص الشديد أنْ تُمنَعَ الأُمّة من الالتفاتِ إلى عناصر مجدها ومصادر عِزِّها. فإذا ما آنَسَ أولئك المستعمرونَ ضعفاً مِمَّنْ رتّبوه على هذه الأُمة قائداً، سارعوا إلى إعانته بالمال والسلاح والرجال لإبقائه متحكِّماً – حسبما خطّطوه له – بمصائر قومه ووطنه، ولو أبادوا لصالحه من المحتجّين عليه الآلاف، وشرّدوا الملايين منهم فوق كُلِّ أرضٍ وتحت كُلِّ سماءٍ. وإذا لم يستطعْ هذا أنْ يدفعَ عن نفسه ويُدافع عن مصالح مواليه، أطاحوا به بصورةٍ أو بأُخرى وأَتَوْا بغيره بعد أنْ لم يعدْ يصلح لتنفيذ الأمر، فيُلقوا به عندها زريّاً، كما تُلقى الخِرقة في الشارع!!

ولمّا كان للحياة سُنّة طبيعية ولشؤون الكون نواميسُ ثابتة، المتحكِّمُ فيها هو الله وحده جلّ وعلا (سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ من قبلُ، ولن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً) فإنّه مهما حاول أعداءُ الله أنْ يُثبِّتوا في بلادنا مناهجهم ويركِزوا فيها أفكارَهم وأنماطَ سياساتهم وأنْ يُبقوا على الزعماء الموالينَ لهم مع ظلمهم لأبناء شعوبهم، فإنَّ اللهَ عزّوجلَّ للجميع الأعداءِ وعملائِهم بالمرصاد، تقبيحاً لوجوههم وتخييباً لآمالهم وانتصاراً للمُستضعفين من عباده، فيُهيِّئُ من الأمور ما يفلتُ بها الزِّمام من يد هؤلاء وهؤلاء ويُبطِل كيدهم. وصدق الله العظيم: (إنَّ كَيْدَ الشيطانِ كانَ ضَعِيفاً)، وأنّه وبلا أدنى شكٍّ (لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدِينَ). وعندها ستكون النتيجةُ أنْ ينقلبَ السحرُ على الساحر، فتثور الفئات المكبوتة وهم سوادُ الشعب وتخرج من قماقمها، لتطالب بكنسِ الظلمةِ من على منابر السلطة بعد أنْ كانوا قد خرَّبوا ما خرَّبوا وتلاعبوا بمقدّرات الشعوب سِنينَ عدداً.

إنّه وبلا مِراءٍ إشارةٌ من الله تقدّستْ أسماؤُه للمظلومين وظالميهم على السواء أنَّه بيده وحده سبحانه الزِّمام، وإشارة منه تعالى لهؤلاء المنكوبين من الشعوب أنَّه ناصِرُهم وأنّهم أنَّى اشتدَّ العَسفُ بهم قادرٌ على الأخذِ بأيديهم، وأنّهم الفئة التي إذا أرادتِ الحياةَ حَيّتْ وَسَمَتْ وعَزَّتْ وقَضَتْ على الطغاة المتجبرين، وأنّه - بلا أدنى ريبٍ كذلك - مهما انقُلِبَ على ما نَتَجَ عن الربيع العربي من تحرُّراتٍ وانفراجاتٍ، فإنّه ما دامت قد أُوقِدَتِ الشعلة لن تنطفئ بإذنه عزّت قدرته. فها هي الجماهيرُ تعود اليوم بعد عدّة سنين من الانقلابات على تلك الانتفاضات التحررية في عالمنا العربي، رافعةً عقائرها مُفدِّيةً أوطانها بأنفسها، مطالبة برحيل الظالمينَ من على ظهرها والانعتاق من رِبقة المستعمرينَ وأعوانهم، كما حَدَثَ قبلَ شهورٍ في الجزائر والسودان، وقبلَ أسابيعَ أو أيام في مصر والعراق ولبنان، وأنّه مهما حاول أنصار الظلمة في بلادنا من دول الغرب والشرق أنْ يُثبِّتوا أركان الجور، فإنّ ذلك رهنٌ بمدّة محدودة لن تستمرّ أنّى تكالبت قُوى هذا العالم الجاهلي على الخيرِ وأهله.

ولْنعلمْ أنها سُنّةٌ ماضية، سُنّة الصراع بين قِيَمِ الخير والشرّ وقِيَمِ الحقِّ والباطل في هذه الحياة. ولْنعلمْ كذلك أنَّ الخيرَ طريقُه واحدة قاصِدَة وواعِدَة، هي طريق الله وأنبيائه وكتبهم وتلامذتهم وطريق الشرِّ شتّى كُلُّها فاسِدٌ ومُضلِّلٌ، وهي طرق شياطين الإنس والجنّ (يُوحِي بعضُهُمْ إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرُوراً). وإنّها لَلْحربُ الدائرة بين الجَوْرِ والعدل والطواغيت وطلاب الحرية من سواد الناس. والقول الفصلُ فيها بنصر عباده المظلومين المطالبين بحقوقهم من حرية وعدالة اجتماعية، كما قرَّره تعالى بقوله: (كَتَبَ اللهُ لأغلِبَنَّ أنا ورُسُلي، إنَّ اللهَ قويٌّ عزيزٌ). فأينَ كان كيد الطواغيت من أمثال فرعون مع موسى وقومه، ونمرود مع إبراهيم وأتباعه، وأبي جهلٍ مع محمّدٍ وأصحابه؟! إنّه النصرُ المُبين لأنبياء الله المُرسلينَ والخُسران المهين لجميع أولئكَ الطغاة المجرمين.

ولْننظرْ إلى مكر هؤلاء الطواغيت في اتهامهم لعباد الله من الرسل الكرام وأتباعهم الصادقين بأنّهم – قائلين لأتباعهم عنهم – إنّما يُرِيدونَ بدعواتهم هذه أنْ يُخرجوكم من بلادكم ويُثيروا فيها الفوضى والاضطراب ويستولوا عليها، ويُعطِّلوا فيها مصالح الناس، وأنّهم يُحارِبون أفكاركم التي بها تعزُّونَ، وآلهتكم التي إليها تصمدونَ!! إنها للاتهاماتُ القديمة الحديثة، إذْ يقول الطغاةُ من الزعماء المارقين اليومَ: إنَّ هؤلاءِ المُنتَفِضينَ من أصحابِ الحَراكات في عالمنا العربي يستجيبونَ لأجندات خارجية، ويريدون أنْ يستولوا على الحكم وأنْ يُعيدوا الناس إلى عصورِ التأخُّر والجمود، وأنّهم يُعطِّلونَ مصالحكم. كُلُّ ذلك مخادعةً للدهماء عن أنفسهم ليُثيروهم على المطالبين بحرياتهم وحريات شعوبهم، حفاظاً منهم على زعاماتهم الزائفة.

والأنكى من كُلِّ ذلك في هذه الأوضاع، أنَّ هؤلاء الطواغيت وهم يشعرون باقتراب التفاف الحبل على أعناقهم وَوُشْكان قذفهم خارج حدود الوطن يدأبون في كلماتهم الاستباقية مخادعةً وتضليلاً، أنَّ الشعب يجب أنْ تُحتَرَم إرادتُه ويُجابَ إلى حقوقه، إذْ هو مُحِقٌّ بمطالبه، وأنّهم مع الإصلاح ومن المطالبين به، بل – على زعمهم - أول مَنْ نادى ويُنادي به، بينما لا شيءَ تحت ذلك في الحقيقة، إنما هو منهم للاستهلاك المحلي والعمل على الاحتواء وتأخير الضربة القادمة ولعق ماء الوجوه الكالحة، شأنهم في ذلك شأن الصياد والعصافير في الحكاية المعروفة، يتظاهر بالبكاء عليها، بينما يده تعمل فيها تذبيحاً وتقتيلاً!! كما يروح هؤلاء يُقدِّمون الوعودَ المجّانية حلولاً بتغيير الدستور وإجراء الانتخابات المُبكِّرة وتشكيل حكومات الكفاءات لا حكومات الولاءات. وهي وعود ليست سوى اسطوانات مشروخة مَرَّ أمثالها وكُرِّرَتْ أشباهها، ومن ثَمَّ لا شيءَ فيها لا من قبلُ ولا من بعدُ، لأنّهم – وهم يعترفون بالفساد في بلادهم - رأس الفساد وأساسه. ثُمَّ لْيعلم هؤلاء ومن ثَمَّ لتعلمِ الشعوب أنّه حّتى لو لوِّحَ بكُلِّ ذلك وَوَعِدَ به، فإنَّ الإصلاح سيبقى بعيداً ما لم تكن الأُمّة ذات بوصلة واحدة، أو تُرَبَّ على تقوى الله، وأنْ يتولَّى أمرَها صالحٌ يُوقِنُ أنّه مسؤول بين يديه سبحانه.

وفي هذا الجو الأليم والوسط الوبيل لزعماء الأُمّة المُدَّعين بالإصلاح، وهم المُفسِدون في الواقع لكُلّ ما هو صالح، ما أصدقَ قول أبي العلاء فيهم:

مُلَّ المُقامُ فكَمْ أُعاشِرُ أُمّةً

أَمَرَتْ بغيرِ صلاحِها أُمراؤُها

ظَلَمُوا الرعيَّةَ واستجازُوا كَيْدَها

وَعَدَوْا مصالِحَها وهُمْ أُجراؤُها

أو قوله الآخر عائباً عليهم فسادهم، منتظراً رجلاً صالحاً يثأر لهذه الأُمّة منهم:

ساسَ الأَنامَ شياطينٌ مُسَلَّطةٌ

فِي كُلِّ مِصْرٍ مِنَ الوالِينَ شَيطانُ

مَتَى يقومُ إمامٌ يستَقِيدُ لَنا

فَتَعْرِفَ العدلَ أَجْيالٌ وغِيطانُ

وختاماً، إنَّ هذه الأُمّة لا بُدَّ - عاجلاً أم آجِلاً - منصورةٌ على أعدائها وفي مطالبتها بحقوقها مصداقاً لقوله تعالى: (ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ على الذينَ اسْتُضْعِفوا في الأرضِ ونجعلهم أئمَّةً ونجعلهم الوارِثِينَ * ونُمَكِّنَ لَهُمْ في الأرضِ، ونُرِيَ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما منهم ما كانُوا يَحذرونَ) وهو عندما يأذن سبحانه جِدُّ قريبٍ، حيث سينطلق صوت الحقِّ مُجَلجِلاً في الآفاق: (وقُلْ جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً)!! وعلى كُلٍّ فإنّني بهذه المناسبة لأُحيِّي من هنا من الأردنّ بلدِ الحشدِ والرباط شقيقَه لبنانَ بلدِ الأوزاعي فقِيهِ أهل الشام، وشقيقَه العراق بلدِ المثنّى والرشيد والثالث الجزائر بلد المليون شهيد، على انتفاضاتهم الصادعة واحتجاجاتهم المدوِّية مطالبين بحقوق شعوبهم المغصوبة من الطبقات السياسية الحاكِمة والفئات الحزبية المأفونة الذين لا يُشبعُ بطونَهم إلاّ الترابُ، والعذاب الأليم يوم الحساب.

المصدر: فلسطين الآن