الخميس 12 ديسمبر 2019 05:54 ص

منير شفيق والانتخابات الفلسطينية تحية لك ومرحى أيها الرفيق العتيق

الأربعاء 13 نوفمبر 2019 05:25 ص بتوقيت القدس المحتلة

منير شفيق والانتخابات الفلسطينية تحية لك ومرحى أيها الرفيق العتيق
أرسل إلى صديق

علي العتوم

الأستاذ منير شفيق مواطن فلسطيني أصيل ومناضل مقدسي عتيدٌ ومكافح وطنيٌّ عريق. وُلِدَ في القدس سنة 1934م من أبوَيْن نصرانيَّيْن وانضمّ إلى الحزب الشيوعي الأردني مُبكِّراً وسُجِنَ لهذا الانتماء في الأردنّ عديداً من السنوات، ما بين أواسط الخمسينيات وأواسط الستينيات من القرن الفائت، ومن ثَمَّ انتسبَ إلى المنظمات الفدائية وفتح خاصّةً، دفاعاً عن بلده فلسطين أمام الهجمة الصهيونية العاتية عليها، متّخذاً من هذا الانتماء وذاك الانضمام طريقاً إلى استرجاع الحقوق وانتقاماً من المعتدين اليهود، ولكنّه وَجَدَ في النهاية لمّا أرادَ الله به الخير، أنْ يهجُرَ كُلَّ هذه الانتسابات وتلك المعتقدات حتى شِرعته القديمة، فاختار دينَ الفطرة التي فَطَرَ الله الناسَ عليها، الإسلام الحنيف، ولاسيّما بعدَ أنْ تَهَوَّكَتِ الدنيا بأدعياء النضال وقبلوا بخُدَع الأعداء، إذْ آمَنَ أنّه لا سبيل لخدمة القضية والردّ على الاحتلال إلاّ بالمقاومة.

لقد تعرَّفتُ على الأستاذ منير قبل ما يقرب من عشرين عاماً في لقاءات مؤسسة القدس ببيروت وغيرها، يومَ أنْ كان من كبار الدعاة إلى التقريب بين حَمَلَة الفكر القومي من جهة والإسلامي من جهة أُخرى، إذْ كان مُنسِّقاً عامّاً للمؤتمر القومي الإسلامي لهذه المهمّة ذات الفحوى أنّ العرب مادّة الإسلام وأنّ الإسلام هو طريق الهداية والإصلاح لهم ولغيرهم. ولقد كان هذا تعرُّفاً كريماً ولقاءً طيِّباً بيني وبين الرجل، ما رأيتُه فيه وفيما بعدَه، إلاّ وأهشُّ له ويهشُّ لي، وأُبادله تحايا كريمةً بتحاياه الكريمة. وكم كنتُ أُسَرُّ عندما كنتُ ألقاه – لهذا الاحترام المتبادل بيننا – أنْ يُخاطبني باسمي مجرّداً من كُلِّ الألقاب. هذا مع أنّني لا أزعم أنّ معرفتي بالرجل قديمة أو طويلة، إذْ أنها لا تزيد على مثل هذه اللقاءات العارِضة في مؤتمرات مؤسسة القدس العالمية التي أتشرف أنّني أحدُ أعضائها المؤسِّسين. ولا أنسى أنْ أذكرَ هنا للأستاذ منير جهوداً عديدة ومُقدَّرة في التنظير والتفكير والتأليف والتصنيف والحركة والعمل في محيط المناضلين العرب والدعاة الإسلاميِّين في كثيرٍ من أقطار العروبة والإسلام.

وأقول: إنَّ مما دعاني إلى كتابة هذا المقال اليومَ والتنويه بالأستاذ الفاضل بين يديه، ما قرأتُه له يوم الأربعاء 6/11/2019م في جريدة السبيل من مقال حول الانتخابات التشريعية في فلسطين بعنوان: (محمود عباس والانتخابات) يرى فيه عدم إجرائها، ويُركِّز أولاً وأخيراً في الشأن الفلسطيني الآن على شعار واحد يُرفَع لا شعارَ غيرُه، وهو انبعاث الانتفاضة الشاملة على هذا الاحتلال المجرم في كُلِّ مكان من فلسطين وإشهار سلاح المقاومة الدائمة في وجهه البغيض. وأقول: إذا كانت قضية الانتخابات لها وعليها وتختلف فيها الآراء، وإنْ كانت في الحقيقة غيرَ مُمهَّدٍ لها بشكلٍ سليم، وقد لا تُحمَد عواقبها لِمَا قد تتركه في أوساط الفلسطينيين من آثار سلبية وآلامٍ بعيدة المدى، فإنّها – على كُلِّ حال - اجتهاد من أصحابها نحترمه ونسأل الله أنْ يكونَ فيه الخير على فلسطين وأهلها. أجل، إذا كانت قضية الانتخابات مسألةً مُختَلَفاً فيها، فإنَّ كُلَّ فلسطينيٍّ مخلصٍ وكُلَّ عربيٍّ شهم ومسلم غيورٍ، بل كُلَّ إنسان عاقل، لا يسعه إلاّ أنْ يكون مع المقاومة وخاصّةً من أصحابها الخُلَّص، لأنها جهاد في سبيل الله لتحرير الوطن وأهله من احتلال خبيثٍ وجريمةٍ مُنكرةٍ ترفضها كُلُّ الديانات السماوية والدساتير الأرضية.

ومعلوم أنَّ الأجواء في العالم العربي، ولاسيّما بشأن قضية فلسطين أجواءٌ غيرُ مريحةٍ، لأنَّ كثيراً من قادته ما بين طنجةَ وكركوك يميلون إلى سياسة المهادنة مع اليهود، ولا يستعملونَ – وربما عن قصدٍ وسابق إصرار – ما في بلادهم من قدرات ضخمة لمقاومة هذا الاحتلال الآثم والعمل على دحره من على ترابنا الطهور، بل لا يريدونها ابتداءً، بل يرون أنَّ مَنْ يقوم بها إنما هو متنطِّع وشرير، وجسمٌ غريب يجب أنْ تُنظَّفَ الساحةُ منه ببتره من الجسد العربيّ!! إذْ زاد كما يُرَى في هذه الساحة عدد المهرولين فيها للصُّلح مع اليهود وتفاقمَ حجم المتآمرين على المقاومة وعدِّها حركةً إرهابيةً يجبُ الحذرُ منها، بل القضاء عليها بشكلٍ من الأشكال.

ولا ريب أنَّ الذي تُفكِّر به السلطة ورئيسها هو هذا التفكير الذي يُفكِّر به كثير من زعماء العرب، وهو ما يُلْمَح أو يظهر جليّاً في تصريحاته هو وبعض رجاله في لقاءات المصالحة ورأب الصدع في الواقع الفلسطيني، ولاسيّما بين فتح وحماس. وهو صلحٌ لا أعتقده يتمُّ أو – على الأقل – بعيدُ المنال، ذلك لأنَّ واقع الطرفَيْن يُؤكِّد هذا الأمرَ، إذْ هما طرفان متضادّان في الأهداف والغايات والمنطلقات كالخطَّيْن المتوازِيَيْن لا يلتقيان. فحماس وأخواتها يرينَ مقاومةَ الاحتلال أمراً أساساً وأصلاً، ورئيس السلطة وأتباعه لا يرونَها كذلك، انطلاقاً من اتفاقية أوسلو والتعاون الأمني مع الاحتلال وسياسة إلقاء السلاح التي انتهجتْها فتح منذ تلك الاتفاقية ومُلحقاتها، إلى درجة أنَّ زعيم السلطة  وبعض أصحابه طالما سخروا من سلاح المقاومة، وأنّه لا يعدو كونه كرتوناً أو فلِّيناً أو حتى مفرقعات أطفال، دون أنْ يكفُّوا يوماً عن التآمر عليه وعلى أصحابه!! فكم من مقاوِمٍ صنديدٍ ومُجاهِدٍ عظيمٍ قُتِلَ داخل فلسطين المحتلة أو خارجها بسبب ذاك التعاون الأمني اللعين بين السلطة واليهود!!

إنَّ الأستاذ الكريم منير شفيق، ينظر للمسألة من زاوية أنَّ الانتخابات كما يقول تقوم على سياسة المُغالَبَة. وهذه، نتائجها تُبعِد ولا تُقرَّب وتُحدِث انصداعاً في الصفِّ لا التئاماً، وخاصّةً في البلاد العربية التي عَوَّدَتْ أهلها والعالم من حولها ألاّ تقبلَ بما تُفرِزه صناديق الاقتراع لا هي ولا أعداء الأُمّة فيكونُ من جرّاء ذلك الانقلاب عليها ويُذهَب إلى عكسها كما حَدَثَ في الجزائر 1992م وفي مصر 2012م. ولذلك لا داعي – حسب رأيه – لهذه الانتخابات، بل إنَّ إجراءَها في مثل الأوضاع التي تعيشها القضية الفلسطينية وأهلها في الضفّة وغزّة وفي مثل الأجواء التي تسود العالم كُلَّه، ومنه منطقتنا العربية، يُعَدُّ أمراً غريباً لم يحصل مثلَه في أيِّ بلدٍ من بلاد العالم في الأوضاع المُشابهة، إذْ – كما يقول -: كيف تجري انتخاباتٌ والجسدُ الفلسطيني على مستوى السياسات والأفكار مختلفٌ متنازعٌ والأجواء العالمية تقفُ موقِفَ الضدّ منّا ومن قضايانا، بل كيفَ تجري انتخاباتٌ قبلَ أنْ تُحرَّرَ البلد، وفي حال عزمنا وبرضائنا – وأقصِد هنا السلطة وفتح – على ترك السلاح وإنهاء عمليات المقاومة ضدَّ الغاصب اليهودي، مقابل استلامنا سلطةً لا سلطةَ لنا فيها لا على أرضنا ولا على أنفسنا، إذْ يقول: (إنَّ إجراء انتخابات قبل إنجاز مرحلة التحرير الوطني أو انتصار المقاومة شيءٌ لم يسبقْ له مثيل في تاريخ ثورات الشعوب ضدَّ الاستعمار)؟!

ويذهب الرجل إلى أبعدَ من ذلك، فيرى أنَّ هذه الانتخابات تُمثِّل خطيئةً وخطأً في الوقت نفسه إذْ هي أسلوب من أساليب تكريس اتفاقية أوسلو الخائبة وما جَرَّتْه على القضية الفلسطينية من آثار وخيمة أو نتائج وبيلة، يقول عنها – مهاجماً تلك الاتفاقية ومسارَها مهاجمةً شديدةً -: إنها تُشكِّل (خطأً وخطيئةً منذ اللحظة الأولى، لأنَّ أُولَى ممارساتها شكَّلتْ جزءاً من مسار اتفاقية أوسلو الباطل والفاشل والساقط والكارثي)!! وأنا – إذْ أؤيِّده في هذه المهاجمة وأذهبُ مذهبه ولو إلى حدٍّ في موضوع الانتخابات – أُضيف ذمّاً لكُلِّ ما ذهبَتْ إليه فتح ومعها منظّمة التحرير قبلُ، لا كيفَ تُجرِي انتخابات قبل التحرير وحسب، بل كيفَ تقبلُ بسلطةٍ شكلية على أرضِ الآباء والأجداد والحُكم الفعلي فيها لليهود الغاصبين، إذْ هم حينها كَمَنْ يستسلم لعدوِّه والمعركةُ معه ما زالت دائرة، ويتخلَّى عن سلاحه ويرفع يديه بالتسليم مقابل السماح له أنْ يدخلَ بيته ليجلسَ فيه ذليلاً كسيراً مشلولَ القوّة والإرادة لا حول له ولا قوّة؟! إنَّ كُلَّ هذا دونما أدنى مِراءٍ يُثير في النفس السوية العَجَبَ العُجاب ويبعثُ فيها التساؤُلَ تلو التساؤل، حتى ليقولُ المرءُ: إنَّ (وراءَ الأَكَمَة ما وراءَها)!!

ويتطرّق الرجل إلى قضية المصالحة بين فتح وحماس وهو معها ولا شكّ، ولكنّه يُؤكّد أنها يجب أنْ تقوم على ما يخدم القضية لا على ما يُوهِنُها ويُضعِفُ من شأنها أمام الخصم الذي لا يمثُلُ غيرَ وحشٍ مفترس أو قاطع طريق مجاهرٍ بجرائمه!! إنَّ فحوى كلامه أنَّ المصالحة يجب أنْ تكون، ولكنْ بتأييد من الطرفَيْن للمقاومة وعدم الاستسلام للعدوّ بأدنى قدرٍ، وإلاّ فلا فائدة منها، بل تُصبِح حينها إعلاناً للخنوع للعدوّ وتسليماً باغتصابه!! ويقول للمتباكين عليها من السلطة وفتح، ولو بطريق غير مباشرة: إنّه مع عدم وجود المصالحة لم تضعُف المقاومة أو تتوقّف، بل على العكس أبدعَ الشعب الفلسطيني الذي يُؤيِّد المقاومة ومعه كثيرٌ من فصائلها، أموراً عظيمةً فَتَّتْ في عضد المحتلين، وذلك من اندلاع المقاومة الشعبية بالسكاكين والدهس، وانطلاق انتفاضة المقدسيِّين وخاصّةً الإطاحة بالكاميرات في المسجد الأقصى والأبواب الإلكترونية فيه، وإضراب الأسرى، والاعتصامات، وانهيار مسار أوسلو بعدَ اعتراف الأمريكان بالقدس عاصمة موحّدة لليهود ونقل سفارتهم إليها، إضافةً إلى إبداع مسيرات العودة أسلوباً من أساليب استمرار المطالبة بالحقّ. فالمقاومة في الحقيقة رغم عدم وجود المصالحة أدّت إلى انتصار غزّة على غارات اليهود في ثلاث حروب شرسة، وابتكرتِ الأنفاق وتصنيع الأسلحة، وكفَّتْ يدَ السلطة عنها وعن رجالها إلى فتوحاتٍ أُخرى عظيمة رغمَ المضايقات الشديدة التي تُوجَّه إليها وإلى أهلها من حصارٍ واتهاماتٍ وتآمرٍ عَزَّ نظيره، من الاعداء وأبناء الجلدة. هذا مع أنّه لا أحدٌ عاقلاً ضدَّ المصالحة لا الأستاذ شفيق ولا نحن، إنما المصالحة التي نُرِيد تلك التي تُقوِّي الساعد الفلسطيني وتُؤيِّده في قضيته، لا التي تُوهِنه وتُضعفه أمام الخصم.

نعم، لكُلِّ ما تقدَّم مما ذهبَ إليه الأستاذ منير، ولاسيّما موضوع الحرص على استمرار المقاومة والاحتفاظ بسلاحها مُشهراً في وجه العدوّ الغاصب وفي مهاجمة اتفاقية أوسلو وانتقاد السلطة في سياساتها، أُحيِّيه مرةً أُخرى أخاً كريماً وفلسطينياً أصيلاً وصديقاً عزيزاً وكاتباً مُجِيداً ومُسلماً متنوِّراً، فألف تحيّةٍ له منّي ومرحى.

المصدر: فلسطين الآن