الخميس 12 ديسمبر 2019 08:23 م

التمويل الخارجي للسودان.. مخرج أم أزمة؟

الجمعة 15 نوفمبر 2019 12:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

التمويل الخارجي للسودان.. مخرج أم أزمة؟
أرسل إلى صديق

في ظل الأداء الاقتصادي الضعيف للسودان، حذر وزير المالية في الحكومة المؤقتة إبراهيم البدوي من انهيار اقتصاد بلاده، ما لم يتوفر له على وجه السرعة تمويل بقيمة خمسة مليارات دولار، متاح منها مليارا دولار عبر صناديق التنمية العربية، ويُنتظر أن يستكمل باقي المبلغ من مصادر أخرى.

أمر تحيط به عوامل إقليمية ودولية ليست سهلة؛ فعلى الصعيد الإقليمي لم تستطع السودان الحصول على قروض خارجية إلا من خلال صناديق التنمية الخليجية، وبواقع 119 مليون دولار، و182 مليون دولار عامي 2017-2018، وذلك حسب بيانات التقرير السنوي للبنك المركزي السوداني لعام 2018.

أما على الصعيد الدولي، فلن يكون أمام السودان إلا اللجوء للصندوق والبنك الدوليين، ومن ثم تجهيز برنامج اقتصادي لحكومة السودان يتوافق مع شروطهما، والتي تستهدف إجراءات الدعم الحكومي، وفرض ضرائب جديدة، والعمل على التخلص من الدين الخارجي، والدخول في برنامج لخصخصة المؤسسات العامة، وكذلك تحرير سعر الصرف.

وهنا تكمن المشكلة من جوانب عدة؛ الأول يتعلق بصناديق التنمية الخليجية، وهي تابعة لدولها بطبيعة الحال، حيث ستكون قروضها مشروطة بالتزام السودان بالسياسات الإقليمية لدول الخليج الداعمة للثورات المضادة، وممارسة الضغوط اللازمة على الإسلاميين في السودان.

وهي ممارسات بدأت على أرض الواقع منذ الأيام الأخيرة للإطاحة بالبشير، فضلا عن انخراط السودان أيام البشير في دعم التحالف الخليجي في حرب اليمن، ودعمه بالجنود للمشاركة في الحرب هناك، وثمة أخبار تداولتها وسائل الإعلام عن قيام الجيش السوداني بمد حفتر -حليف الإمارات والسعودية- بجنود سودانيين لحربه ضد الحكومة الشرعية في ليبيا.

وأما ما يخص المؤسسات الدولية، التي تعلم حقيقة الأوضاع شديدة الهشاشة للاقتصاد السوداني، وغياب بنيته الأساسية في مختلف المجالات، فلن يعنيها هذا الأمر، وسيكون تركيز البنك والصندوق الدوليين على الجوانب النقدية والمالية، كما يفعلان في كثير من الدول، وسيكون الأمر بمثابة مواجهة كبيرة أمام حكومة السودان، التي ستضطر تحت ضغوط شروط الصندوق إلى تحرير أسعار العديد من السلع والخدمات، وفرض ضرائب جديدة، من أجل تقليص عجز الموازنة العامة للدولة، والدخول في مفاوضات لتقليص وسداد الدين العام الخارجي.

وسينتج عن تطبيق شروط البنك والصندوق الدوليين تكرار المواجهة نفسها التي أدت إلى إثارة الشارع السوداني ضد حكومة البشير، بسبب رفع أسعار الخبز والوقود.

ولن يكون هناك مخرج لهذه الأزمة، إلا بتعهد من دول الخليج -خاصة السعودية والإمارات- بتقديم منح لا ترد، تتمثل في شحنات من الوقود والغذاء، أو تسهيلات ائتمانية طويلة الأجل.

أزمة المديونية الخارجية

بيانات البنك المركزي السوداني تبين أن قيمة الدين الخارجي في نهاية 2018 بلغت نحو خمسين مليار دولار، لكن حقيقة الأمر تظهر بجلاء الصعوبات الاقتصادية التي واجهها السودان خلال الفترة الماضية بسبب العقوبات الاقتصادية، وفشل مشروع التنمية.

فأصل هذا الدين 19.7 مليار دولار، بينما عجز السودان عن سداد هذا القروض وفوائدها؛ مما أدى إلى تراكمها لتصل إلى خمسين مليار دولار، أي أن الفوائد الناتجة عن التأخير بلغت 30.2 مليار دولار.

وقد يفتح التفاوض بين الحكومة السودانية والبنك والصندوق الدوليين الباب لإسقاط الفوائد المتأخرة، وقد يكون هناك إفراط في التفاؤل بإسقاط جزء من أصل الدين، ولكن هيكل الدين يجعل هذا الأمر شديد الصعوبة، فنحو 40% من قيمة الدين الخارجي للسودان مستحق لدول غير أعضاء في نادي باريس، وبالتالي لا يخضع للمفاوضات مع البنك والصندوق.

بينما الدين المستحق للبنك والصندوق يمثل 31% من قيمة الدين الخارجي للسودان، وهو ما يمكن التفاوض بشأنه، سواء لإسقاط الفوائد المتأخرة عليه، أو إسقاط جزء أو كل أصل الدين.

ويبقى الرقم الصعب في مكون الدين الخارجي السوداني هو ما يتعلق بالبنوك التجارية، أو الموردين الأجانب، وإن كان هذان المكونان يمثلان 17.5% من قيمة الدين، إلا إذا اعتبرت البنوك التجارية الدين المستحق لها لدى السودان ديونا معدومة.

الحلول المتاحة

بلا شك، فإن صانع ومتخذ القرار السوداني في أزمة، خاصة أن القائمين على الأمر يمثلون حكومة مؤقتة، ولكن الثمن سيكون قاسيا، ويحتاج إلى قرارات جريئة؛ أولها يتمثل في مواجهة حقيقية للفساد بمؤسسات الدولة، حيث يعاني السودان من أمرين كلاهما مر، وهما متزامنان للأسف الشديد؛ كون السودان من الدول الأشد فقرا، فنحو 67% من سكانه من الفقراء، وكون السودان من أكثر عشر دول فسادا على مستوى العالم.

ومن دون مواجهة الفساد لن يكتب لأي خطوات إصلاحية اقتصادية النجاح في السودان، وإن كان ذلك على حساب المعادلة السياسية، ولكن تكوين المجلس السيادي الحالي في السودان والحكومة التي تمثله لن تكون مطلقة اليد في هذا الشأن، مما يكرس لإبقاء الشعب السوداني رهين الثنائية الملعونة الفقر والفساد.

تحريك الإنتاجية

يجب أن تراعي الحكومة في تفاوضها مع البنك والصندوق الدوليين طبيعة الاقتصاد السوداني، من حيث عدة أمور؛ منها أن يركز الإصلاح على الجوانب الإنتاجية وتحريك القطاعات الاقتصادية في السودان، بحيث تحدث عملية إحلال للواردات بشكل كبير، بل وتساعد على التصدير.

يضاف إلى ذلك البعد عن طريقة العلاج بالصدمة التي تتبناها برامج البنك والصندوق، بحيث لا يتم ضغط الإجراءات في فترة قصيرة، لتؤثر سلبا على المسار الاقتصادي، وتؤدي إلى تكرار الصدام مع الشارع، وتحميل رجل الشارع أعباء معيشية عالية.

لكن مشكلة إدارة الملف مع البنك والصندوق الدوليين تكمن في أن القائمين على أمر المجموعة الاقتصادية في السودان هم من أبناء مدرسة المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسهم وزير المالية ورئيس الحكومة، وقد يقبلون باتفاق لا يزيد على ثلاث سنوات، وتلتزم فيه السودان بإجراءات قاسية، لا تناسب مكونات الاقتصاد الكلي الضعيف هناك، أو إمكانات الأفراد والأسر السودانية.

تطوير القطاعات

إن الدخول في الحصول على التمويل الخارجي، والعمل في إطار متطلبات الأجل القصير، دون وجود أجندة تنموية تعكس مشروعا وطنيا طويل الأمد، ستكون ثماره مرة، ولن تكون أكثر من ترحيل للمشكلة لنحو ثلاث أو خمس سنوات.

لذلك لا بد من تحضير خطة لتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية المهمة، مثل الزراعة والصناعة والتعليم، وربط أي مزايا داخلية أو خارجية بالعمل في تطوير هذه القطاعات.

فغياب خطة تطوير هذه القطاعات والسير في رؤية البنك والصندوق الدوليين سيجعلان السودان بلا خطة تطوير؛ وبالتالي سيكون البديل أن يفرض الممولون خططهم الذاتية، التي تعكس مصالحهم بشكل رئيسي، وإن كان ذلك على حساب السودان حكومة وشعبا.

ختاما، تعكس تصريحات وزير المالية السوداني سياسة تسيير الاقتصاد في إطار آني ووقتي، وغياب برنامج أو خطة عمل على المديين المتوسط والطويل.

وكونه يعمل في إطار حكومة انتقالية ليس مبررا لإهمال أمر هذه الخطة، لأن الحكومات الدائمة التي ستأتي بعد ذلك في السودان، وكذلك الشعب السوداني، سيتحملون تبعات ما أقدمت عليه الحكومة المؤقتة، خاصة إذا توصلت إلى اتفاق مع البنك والصندوق الدوليين، يفرض التزامات جديدة لا يمكن الوفاء بها.

المصدر: الجزيرة نت