الخميس 05 ديسمبر 2019 04:26 م

معركة الخروج الآمن

الإثنين 25 نوفمبر 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

معركة الخروج الآمن
أرسل إلى صديق

غسان النجار

كثيراً ما نقرأ عن النجاح في المقالات والكتب والمجلات والمواقع الالكترونية، فالجميع يتحدث عن ما يلزم الإنسان للوصول إليه، وأسهبوا في ذكر القصص والحكايات التي تناولت الكيفية التي استطاع الناجحون من تحويل تجاربهم الفاشلة إلى ناجحة، وكيف عززت هذه التجارب من خبرتهم ومن طريقة تفكيرهم ووعيهم والتي أثمرت فيما بعد للوصول إلى مبتغاهم، ولكن ماذا عن اللحظات العصيبة التي عصفت بهم؛ ماذا عن مشاعرهم في تلك اللحظات، والتي ليس مبالغاً في القول بأنها أضعف لحظات حياته؛ نفسياً وجسدياً ومادياً؛ تلك اللحظات يحتاج فيها إلى من يمد إليه يد المساعدة لتأمين طريق الخروج الآمن له من هذا الصراع العنيف، نعم طريق الخروج الآمن!

منذ نعومة أظفاره، يسعى الإنسان إلى تحقيق النجاح، وتحويل أحلامه التي تكونت بين عقله وقلبه إلى حقيقة واقعة أمام عينيه، فترى النار تستعر في قلبه مولدةً عزيمةً وإصراراً على المضي قُدُماً نحو هذا الأمل المنشود، حيث تكبر الأحلام شيئاً فشيئاً في هذا العقل البشري مع تتابع الأيام والسنين، فأحلامه الصغيرة - منذ أن كان طفلاً - عادةً يكون قادراً على تحقيقها مع بذل الجهد المطلوب لها وهو في كنف وتحت رعاية والديه اللذين يرشدانه نحو الصواب، كالحصول على الدرجات المرتفعة في مراحل تعليمه الأولى مثلاً، تلك الأحلام البسيطة تزداد تعقيداً شيئاً فشيئاً حتى تصطدم بصخرة الحياة التي تنبه ذلك العقل الصغير بأن زمن تحقيق الأحلام قد ولَّى، ولم يعد سهلاً أن يحول أحلامه البسيطة إلى حقيقة، وأن عقله الصغير عليه أن يجرب مرارة الفشل وألم السقوط ومشاعر الإحباط لأول مرة في حياته، والتي ستصبح فيما بعد ديدنه في مواجهة الحياة بكل ما تحتويه من ظلم وقهر وألم، وليستعد ذلك العقل إلى ما هو أعظم من ذلك، فما أن يدخل ذلك المسكين معترك الحياة الحقيقي، حتى تراه يتخبط يمنةً ويسرةً لا يعلم أي الطرق يسلك، ومع قلة خبرته وضعفه أمام جبروت الحياة، تجده يسقط منهزماً معلناً عدم القدرة على الاستمرار.

وخلال المراحل الأولى من حياته، يجد الإنسان من يساعده ويوجهه ويتدخل من أجله لكي يساعده على تخطي مشاكله وهمومه، ولكن مع التنقل في مراحل حياته صعوداً، تتزايد تعقيدات تلك العقبات والمصاعب، وتجد أن دور الوالدين أو العائلة التي تساند الإنسان يقل تدريجياً حتى يصل إلى نقطة الصفر، عندها يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى مواجهة تلك المصاعب بنفسه، فتجده يكافح ويصارع من أجل الحصول على مراده؛ فينجح مرةً ويفشل مراتٍ ومراتٍ... الحقيقة أن ما يرمي إليه هذا المقال هو الطريقة التي يتعين على الإنسان اتباعها في حال تعرض للفشل، والتي يجد فيها نفسه أمام طريقٍ مسدودٍ؛ لا يعلم كيف يفعل، وكيف الخروج من هذا المأزق، وينظر حوله فلا يرى إلا سواداً قاتماً لا يرى من خلاله أي بارقة أملٍ أو بصيصٍ من نورٍ، فلا أحد يمد له يد المساعدة لينتشله من الغرق في أعماق بئر عميقة مظلمة أوقع نفسه فيها دون قصد، فيغرق في الفشل الذي سيقضي على همته وقدرته على الصمود... نعم، الحياة هكذا!!! وقد صدق المولى – عز وجل – حيث قال في كتابه العزيز: "لقد خلقنا الإنسان في كبد" (سورة البلد، الآية 4).

الوقوع في الفشل ليس نهاية العالم، ولكنه سبب وجيه لإعادة النظر مرة أخرى في طريقة التفكير المتبعة؛ في الأسلوب المعتمد لإدارة الصراع الإنساني؛ في جوهر القضية التي بدأت منذ أن دبت قدميك على هذه الأرض، المهم هنا هو أن تخرج سليماً معافى بأقل الخسائر الممكنة نفسياً وجسدياً ومادياً؛ المهم أن تعبِّد طريق الخروج الآمن من هذه المعركة، فلا تجعل الفشل يلاحقك ويسبب لك المزيد من الخسائر، عليك أن تسد الباب في وجه الضربات المتلاحقة التي وجهت إليك بعد رؤيتك منهزماً كسيراً ضعيفاً؛ تجرُّ حطامك وتهِمَّ بالخروج من هذه المعركة التي استنزفت كثيراً من جهدك وتفكيرك وروحك؛ عليك أن تسعف نفسك وتوقف نزيف الجراح التي نالت من قواك وأنهكتها، عليك الوصول إلى خط الأمان حيث تلتقط أنفاسك، وتجبر كسرك، وتضمد جراحك، وتصلح ما أفسدته المعركة، ومن ثم تستعيد قواك من جديد!

ولعل الحكمة من ذلك كله أن الإنسان لن يتعلم إلا بعد أن يتلقى الصفعات والضربات التي كان يهابها ويحاول أن يتحاشاها بكل الوسائل الممكنة، ولكن هيهات هيهات! فلم تخلق هذه الحياة إلا للمكابدة والعناء، فترى الإنسان يصارع في هذه الحياة بلا كلل أو ملل، وقد تتكرم عليه هذه الحياة ببعض الجوائز وقد تبخل عليه أيضاً، ومن الممكن أن تؤجلها حتى وقت لاحق، فيقع هذا المسكين في فشله، حيران أسفاً ومصدوماً مما وصلت إليه الأمور، ومن الممكن أن يتقوقع على نفسه رافعاً راية الاستسلام، وقد حوله الإحباط والاكتئاب إلى سجين داخل حلقة وهمية ينسجها خياله بمثابة الملاذ الآمن له في حينها ويظل حبيساً داخل غرفته إلى ما شاء الله! نعم إنها لحظة الحقيقة المخيفة والصادمة!

في ظل هذه التجارب الحياتية التي يظل الإنسان في صراع معها طوال حياته، عليه أن يتدرب على طريقة إعمال عقله وتحصينه في المواقف العصيبة التي لا يصمد فيها من هو مفتول العضلات أو قوي البنية الجسدية، وإنما يصمد فيها من لديه عقل متمرس ذكي وقوي فاعل يعرف كيف ينأى بصاحبه عن تلك الصدمات، فيخفف من أثرها، ويشغل تفكير صاحبه في كيفية الانتصار في معركة الخروج الآمن من هذا الصراع، والتي لو نجح فيها فستكون لديه الفرصة من جديد لاستعادة طاقته وروحه لكي يبدأ رحلة جديدة في معركة النجاح.

المصدر: وكالات