الأحد 08 ديسمبر 2019 12:50 م

هل "إسرائيل" معنية ببناء ميناء لغزة؟

الإثنين 02 ديسمبر 2019 08:43 ص بتوقيت القدس المحتلة

هل "إسرائيل" معنية ببناء ميناء لغزة؟
أرسل إلى صديق

صالح النعامي

حرصت وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخرا على التوسع في الحديث عن «الانقلاب» الذي حدث على توجهات وزير الحرب الصهيوني الجديد نفتالي بنات، بعد أن تولى منصبه الحالي؛ حيث تزعم هذه الوسائل أنه بات متحمسا جدا لإحداث تحول على البيئة الاقتصادية والإنسانية في القطاع غزة، على اعتبار أن هذا التحول يخدم في الأساس المصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية ويقلص من فرص اندلاع مواجهات تهدد أمن المستوطنات في جنوب الكيان.

وضمن المؤشرات التي ترصدها وسائل الإعلام الصهيونية للتدليل على التوجهات الجديدة لبنات، الذي يقود اليمين الديني في الكنيست، والذي كان الأكثر حماسا لتشديد الحصار على القطاع، تتم الإشارة بشكل خاص إلى التوجيهات التي أصدرها مؤخرا لقيادة الجيش لدارسة إمكانية تدشين الجزيرة الصناعية في عرض البحر قبالة ساحل غزة وتدشين مطار بتمويل دولي، ومشاريع أخرى لتحسين الواقع الاقتصادي في القطاع.

لأول وهلة، تبدو هناك عدة عوامل يمكن أن تدفع بنات والمؤسسة الأمنية إلى التوجه نحو إحداث تحول على البيئة الإنسانية والاقتصادية في القطاع. فتل أبيب تعي تماما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية كان السبب الرئيس وراء معظم الحروب والجولات التصعيد التي اندلعت بين المقاومة وإسرائيل خلال العقد الأخير.

إلى جانب ذلك، فإن الكثيرين في إسرائيل يرون أن قدرة إسرائيل على حسم المواجهة العسكرية في مواجهة المقاومة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية على هذا النحو تؤول إلى الصفر. إلى جانب ذلك، وحتى لو توصلت إسرائيل لقرار بحسم المواجهة مع المقاومة (وهي قادرة من ناحية عسكرية)، فإن التحدي الذي سيقف أمامها يتمثل في عدم وجود طرف يمكن أن يتولى زمام الحكم في القطاع، وهذا ما سيجعلها مضطرة للتورط في وحل القطاع لفترة طويلة، مع كل ما ينطوي عليه هذا السيناريو من مخاطر أمنية واقتصادية وسياسية.

من ناحية ثانية، فإن اليمين الإسرائيلي بشكل تقليدي يفضل تكريس الفصل السياسي بين إسرائيل والضفة الغربية، وهو ما يجعله أكثر تحمسا لإفشال جهود المصالحة التي يمكن أن تقود إلى استعادة الوحدة السياسية بين المنطقتين. وفي الوقت ذاته، يفترض أن يدفعه ذلك إلى العمل على تكريس بيئة اقتصادية وإنسانية في القطاع أفضل توفر عوامل بقاء الانفصال.

ومع كل ما تقدم، فإنه يتوجب الحذر من التسريبات الإسرائيلية بشأن توجهات بنات واليمين الإسرائيلي تجاه غزة. فإسرائيل لا يمكنها أن تعمل على تحسين الواقع الاقتصادي والإنساني بشكل جذري في القطاع في ظل وقوعه تحت سيطرة حركة مقاومة، مثل حركة حماس. فإسرائيل تخشى أن يمثل هذا الواقع مسوغا للفلسطينيين لدعم خيار المقاومة والتمرد على حكم السلطة في الضفة، على اعتبار أن هذا السيناريو سيدلل على أن العمل المقاوم يؤتي أكله، كما قال يورام كوهين، رئيس جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي السابق.

من ناحية ثانية، فإن إسرائيل تعي طابع التوجهات الأيدلوجية والعقائدية لحركة حماس تجاهها، سيما رفضها لوجودها، وبالتالي لا يمكن أن تسمح ببلورة بيئة يمكن أن تساعد الحركة على تعزيز قوتها العسكرية، حتى لو لم تستخدم هذه القوة ضدها في الوقت الحالي بسبب ظروف القطاع.

من هنا، فإنه حتى المؤسسة العسكرية ترى أن حل مشكلة قطاع غزة على المدى البعيد يتمثل في الحسم العسكري عندما تتوفر الظروف المناسبة لذلك، وهذا ما أكده رئيس الأركان السابق جادي إيزنكوت في المقابلة التي أجرتها معه مؤخرا صحيفة «يديعوت أحرنوت»، مع العلم أن إيزنكوت عادة ما يتم عرضه على أساس أنه يتبنى موقف «معتدل» تجاه غزة.

لكن إسرائيل تفضل في الوقت الحالي إستراتيجية «إدارة الأزمة»، التي تتم برعاية نظام السيسي، عبر التوصل إلى تفاهمات تهدئة هشة، على اعتبار أن هذه الإستراتيجية تمثل أفضل آلية عمل في مواجهة التحديات التي تمثلها غزة في الوقت الحالي.

لكن ليس هذا فقط الذي يدفع بنات للترويج لفكرة إحداث تحول على الواقع الإنساني والاقتصادي في القطاع عبر توظيف التسريبات الموجهة في وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ بل هناك أسباب أخرى تدفعه لهذا النمط من التعاطي، يمكن حصرها في التالي:

أولا: بنات، الذي يراهن على دوره في منصب وزير الحرب في تعزيز مكانته الشخصية ومكانة حزبه «اليمين الجديد» يعي أن التصعيد مع غزة لا يضمن له تحقيق هذا الهدف. وخير دليل على ذلك ما حدث مع وزير الحرب الأسبق أفيغدور ليبرمان، الذي أسرف في إطلاق التهديدات ضد غزة وكانت النتيجة أنه اضطر للاستقالة بسبب العجز في مواجهتها.

ثانيا: نافذة الفرص التي تمثلها  الاحتجاجات الداخلية في إيران والتي تسمح لبنات بقيادة سياسة تصعيدية وغير مسبوقة ضد التمركز الإيراني في سوريا في أقل مستوى من المخاطرة، وهو ما يسمح له بتقديم أدلة على «نجاحات» عسكرية أمام الرأي العام الصهيوني، وهو ما يسمح له بتعزيز مكانته. وهذا يفرض عليه تبريد التوتر على صعيد جبهة غزة.

ثالثا: الحكومة التي تولى فيها بنات منصبه الحالي هي حكومة انتقالية، وهو لن يظل في منصبه هذا أكثر من 5 شهور، وبالتالي فهو يسمح لنفسه بإطلاق التعهدات دون أن يكون بالإمكان اختبار أفعاله على اعتبار أن إجراء الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة يعي أن هذه الحكومة لن تكون ملزمة بذلك.

المصدر: فلسطين الآن