الخميس 23 يناير 2020 06:23 ص

مقتل قاسم سليماني: وقائع ومآلات

السبت 11 يناير 2020 09:23 م بتوقيت القدس المحتلة

مقتل قاسم سليماني: وقائع ومآلات
أرسل إلى صديق

علي العتوم

ابتداءً نستنكر كُل ما تقوم به أمريكا في بلادنا من أعمال إجرامية من احتلالٍ لأرضها ومطاردةٍ لأحرارها وتسجينٍ لهم وتعذيب وقتل. فنحن أصلاً ضدَّ هذا الاحتلال البغيض, ونترحَّم على كُلِّ مسلمٍ قضى نحبَه بيدها أو قضى حتفَ أنفه, ونحن مع إيران على أمريكا فيما بينهما من قضايا, إلاّ أنّني أستدرِكُ فأقول: مَنِ الذي جاءَ بأمريكا إلى العراق فانساحت من ثَمَّ فيه وفي سورية, تتوَغَّلُ فيهما وتعمل في مواطنيهما تقتيلاً وتشريداً, أليسَتْ إيران وبترحيبٍ منها بهم وتسهيلٍ, مقابل ما مكَّنَتْ لها ولأتباعها في هذَيْن القطرَيْن على حساب الشرائح الإسلامية الأُخرى التي اندحرتْ تحت ضغط قُواها وقوى الأمريكان وأحلافهم بعد أنْ أوسعتاهما تذبيحاً ومطاردةً؟!

لقد كُنّا أوّلَ مَنْ رحَّبَ بثورة إيران على الشاة, لكنّنا كُنّا نخشى في الوقت ذاته أنْ تنقلبَ ريح هذه الثورة إلى وِجهةٍ طائفية, ومن ثَمَّ إلى رغبةٍ في تصديرها إلى أقطارنا العربية. وكُنّا نُعالِنها بهذه الخشية منذ ذلك الحين, فنتلقّى منها التطمينات على ألسنة قادتها بأنها لا تحمل هذه الفكرة ولا تنتويها.

غير أنّها في الواقع لم يمرَّ عليها إلاّ بضعة أشهر حتى راحتْ تُبدِي هذه الطائفيّةَ وتُجاهِرُ بها على مستوياتٍ عدّة, ومن أوّلِها وقوفُها إلى جانب الحكم الطائفي في سورية ضدَّ أبناء الحركة الإسلامية بشكلٍ عنيفٍ إلى درجة المحو والإبادة, ومنها تأكيدُها المعنى المذهبي في دستورها ومن بعدُ التضييق على الطوائف الإسلامية الأُخرى في بلادها, وتقديم التحالف مع الروس على التحالف معهم أو حتّى الإحسان إليهم!!

لقد لمستُ بنفسي من إيران هذا الاتّجاه الذي يُثير علامات تساؤلٍ كُبرى في ثلاث مناسبات ذاتِ علاقة بما نحن بصدده من سياسات؛ أولها أنَّ بعض إذاعاتهم أجرتْ معيَ بدايةَ دخول الأمريكان إلى العراق مقابلةً عمّا يجري فيه من أعمال قتلٍ وصراعاتٍ فقلتُ: إنّني مع كُلِّ مَنْ يرفضُ وجود الأمريكان ويُقاتلهم ويقتلُهم ويقتلُ مَنْ يُوسِّد لهم فيه فشنَّتْ عليَّ هذه الفضائية جرّاءَ ذلك النكيرَ الشديد.

وفي أُخرى دُعِيتُ إلى لبنان لتُجرِيَ معي إحدى الفضائيات التابعة لهم بداية عملي في البرلمان, مقابلةً بشأن مسألة التطبيع ومقاومة الاحتلال الأمريكي, فلمستُ منهم بكُلِّ تأكيدٍ أنّنا يجبُ أنْ نُطبِّعَ مع الأمريكان ولا نقاوِمَهم؛ إذْ ليس باستطاعتنا فعلَ ذلك, وكانوا يُريدونني على تأييد ذلك والتصريحِ به.

والثالثة في إحدى زياراتنا نحن لجنةَ الصداقة الأردنية – الإيرانية في مجلس النواب لإيران وفي لقاءٍ مع وزير خارجيتها السيد (متّقي), إذْ قلتُ في إحدى المداخلات معه آنئذٍ: إنّنا لن نرضى عن إيرانَ حتى تعلنَ بشكلٍ واضحٍ أنها تُطالب بإخراج القوات الأمريكية من العراق, فما كان من الوزير إلاّ أنْ لاذ بالصمت المُطبِق ولم يُجِبْ عن الملاحظة أو يُعلِّق عليها!!

لقد كُنّا نودُّ من إيران البلدِ المسلمِ الذي قام بثورته – كما كان يُعلِن – حرباً على الطغاة والطغيان ووقوفاً بجانب المستضعفين المطالبين بحرياتهم في بلادهم, ونُصرةً للإسلام والمسلمين أنْ يلتزِمَ بما يقول, وألاّ يُعلنها طائفيةً فاقعةً، ويغرقَ في وحل الصراعات المذهبية، وألاّ يُساهِمَ في التأهيل بالأمريكان وغيرهم من الكُفّار لاحتلال ديار العرب، وأنْ لا ينصرَ طائفةً إسلاميةً على أُخرى أو يتعصَّب لمذهبٍ إسلامي على مذهبٍ إسلامي آخر، ولا يقف من جديدٍ بجانب الطغاة في بلاد العرب المعروفين بحربهم المكشوفة على الإسلام ودُعاته الأحرار ويُرسلَ بكبار ضبّاطه للوقوف بجانب هؤلاء الطغاة لحرب الثائرين عليهم وقتلهم بأفتك الأسلحة, دون أنْ يقتصر القتلُ على المحاربين، بل تعدّاه إلى الآمِنين من المدنيِّين كما في سورية خاصّةً, وكأنّنا نقاتل بذلك اليهودَ، لأنَّ طريق تحرير فلسطين يبدأ من بغداد أو حلب أو صنعاء وطرابلس الشام, بعد قتل أهلها المسلمين الوادعينَ!!

فَلَكَمْ أَهلَكَ ضباطُها وعساكرُها المُدجَّجون بكافة أنواع الأسلحة الصاعقة مع قوات الأمريكان والإنجليز والفرنسيين والروس أعداء الإسلام التقليديين من أرواح مُسلِمة بريئة في أرض آبائهم وأجدادهم, أو طَرَدُوا منها وشَرَّدوا داخل البلاد وخارجها تحت كُلِّ سماءٍ وفوق كُلِّ ترابٍ, نُصرةً للحكام المجرمين الذين هم – حتى في عُرْفِهم – كفّار.

كُلَّ ذلك نصرةً لطائفتهم وتوسيع رقعتها الجغرافية والديموغرافية على حساب الطوائف الإسلامية الأُخرى, وهم أهل الأرض الأصلاء؟! كُلُّ ذلك إشفاءً لوَحَرِ صدور حاقدة وتسديد فواتير سابقة عفا عليها الزمن وإعادة إِحَنٍ قديمة أَكَلَ عليها الدهرُ وشَرِبَ، غيرَ أنّهم يُصرون على إعادتها للساحة جًَذَعَةً يَخُبُّ فيها الشيطان ويضع ويُدرِكُ هو وأتباعه المبيت في ديار التوحيد وأهله!! وَلَكَمِ افتخروا مغتبطينَ أنّهم يسيطرون جرّاء سياستهم الطائفية هذه على أربع عواصِمَ عربية, يتصرفون فيها وفي مجريات أحداثها كما يشاؤون مما تركها بلاداً ذات دولٍ فاشلة.

كُلُّ ذلك سعياً في الفتنة وإشعالاً لأُوارِها، وأين؟! في بلاد المسلمين الموحِّدين الذين أضحوا في عُرفِهم للحقد الطائفي وكأنهم كفّارٌ مشركون يجب أنْ تُشَنَّ عليهم الحرب وتُحتَلَّ ديارهم ويُنفَوْا من الأرض أو يُقَتَّلُوا، بل يُمسحوا من على وجهها!!

فأينَ أنتِ يا إيرانُ من دمائهم وهم بالملايين آمنون في بلادهم أو طالِبو حريّة وانعتاقٍ من الظلم، والله سبحانه وتعالى يقول: (ومَنْ قَتَلَها فكأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جميعاً), ويقول رسولُه الكريم: (مَنْ أعانَ على قَتْلِ مسلمٍ بشطرِ كلمةٍ أَتَى يومَ القيامة مكتوباً بَيْنَ عينَيْهِ: آيِسٌ من رحمةِ اللهِ).

أليست إيرانُ هي مَنْ فتحتْ أبواب العراق على مصاريعها للأمريكان الذين أطلقوا أيديهم لطائفتهم تفعل فيه ما تشاءُ من تقتيلٍ للطوائف الإسلامية الأُخرى تحت ذريعة مقاتلة (داعش)، وتكوين مليشيات وعصاباتٍ وأحزابٍ ومرجعياتٍ كُلُّها في خدمة طائفتهم وحدَهم على حساب الطوائف الأُخرى, وذلك في عهدِ حليفهم حاكم العراق السابق الأمريكي (بريمر) الذي نُقِلَ عنه قوله: إنّه لا مكان للطوائف الأُخرى في العراق مع الطوائف الموالية لإيران!! وأتساءَلُ لوجه الحق والمنطق: إذا كان لإيران كُلُّ هذه المليشيات الطائفية مثل الحشد الشعبي وعصائب الحق والحرس الثوري وحزب الله

والمرجعيات المذهبية في العراق خاصّة، وهي تعمل علناً وتتحرك بكل حرية وأريحية وتعترف بها الدولة رسمياً، وتُعَدُّ من قطاعات الجيش الوطني, فهل للطوائف المسلمة الأُخرى مثلها في الحرية والحركة والدعوة والمرجعية وتشكيل المليشيات والأحزاب؟!

وختاماً، إنّنا نستنكر بكُلِّ وضوحٍ أعمال أمريكا العدائية, ولن نقف معها ضدَّ إيران أو العراق أو أيِّ قُطْرٍ عربي أو مسلمٍ آخر, ونترحَّمُ على كُلِّ مسلمٍ يُوحِّدُ الله ماتَ طبيعياً أو بيدها، ولكننا نقول لإيران بكُلِّ محبةٍ ونُصْحٍ خالِصَيْن لوجه الله: كُفِّي يا أُختنا عن نهجِكِ السياسي الذي تسلكينه, فطريقُه وَعِرَةٌ وغيرُ مأمونةِ العواقب بل جِدُّ وخيمةٍ ووبيلةٍ.

كُفِّي عن تعصُّبكِ الطائفي وغلوّك المذهبي، وأقلعي عن الركض وراء أحلامٍ تاريخيةٍ بَلِيَتْ وأفكارٍ مذهبيةٍ واهية, ما أنتجتْ كُلّها إيجاباً سابقاً، وليس منتظراً منها إيجاباً حاضراً ولا مستقبلاً كما هو مُشاهَد ومنظورٌ، ونقول لسيادتكِ - وقد تَخِذْتِ من الأمريكان في كثيرٍ من أقطار العرب ناصراً لكِ، فأصابَكِ من شرورهم ما أصابَكِ وآخرها مقتل رجلك الجنرال سليماني وصاحبه أبو مهدي المهندس (الخميس 2/1/2020م) والله سبحانه يقول لنا جميعاً: (يا أيُّها الذينَ آمنُوا لا تَتَّخِذُوا عدوِّي وعدوَّكُم أولياءَ, تُلْقُونَ إليهَمْ بالمودَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بما جَاءَكُمْ مِنَ الحقِّ) – ما قاله المتنبي:

ومَنْ تَخِذَ الضِّرْغامَ للصَّيْدِ بازَهُ

تَصَيَّدَهُ الضرغامُ فِيمَنْ تصيَّدا

اللهمَّ اشهدْ أنّني نبَّهتُ وذكَّرْتُ.

المصدر: فلسطين الآن