السبت 04 أبريل 2020 09:09 ص

عدوان إسرائيلي جديد على غزة بنكهة انتخابية

الأربعاء 26 فبراير 2020 09:44 ص بتوقيت القدس المحتلة

عدوان إسرائيلي جديد على غزة بنكهة انتخابية
أرسل إلى صديق

فيما تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية أيام معدودة،  شنت إسرائيل عدوانا جديدا على قطاع غزة بدأ بارتكاب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، حين أقدمت جرافة عسكرية على سحل جثمان الشهيد محمد الناعم شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع، على مرأى ومسمع من كاميرات الصحفيين، وفي وضح النهار، مما شكل استفزازا وإهانة للفلسطينيين، ودفع المقاومة الفلسطينية للرد على هذه الجريمة، وهو ما قابلته إسرائيل بتوسيع رقعة عدوانها على غزة، وصولا إلى سوريا باغتيال عدد من المقاومين الفلسطينيين.

جاء العدوان الإسرائيلي الجاري على غزة استمراراً لجولات عدوانية إسرائيلية سابقة، ولا سيما منذ اندلاع مسيرات العودة في مارس 2018، إذ واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي حالة استنزاف الفلسطينيين وقوى المقاومة في غزة، لكن هذا العدوان يترافق مع عدة تطورات سياسية وميدانية، فلسطينية وإسرائيلية، ربما تكون متزامنة عفوياً، إلّا إن قراءة الصورة الإجمالية للأحداث، قد تجعلنا نعطي الأمر دلالة غير عفوية.

لعل التطور الأحدث يتعلق بالتفاهمات الإنسانية التي توصلت إليها حماس مع قطر قبيل أيام قليلة على هذا العدوان الإسرائيلي، وتهدف لإحداث حلحلة في الحصار المفروض على غزة، بإدخال جملة تسهيلات معيشية وتحسينات إنسانية على ظروف الفلسطينيين الصعبة هناك.

مع أن التفاهمات الموقعة في أكتوبر 2018 شهدت تباطؤاً إسرائيلياً واضحاً ومقصوداً لتنفيذها، رغبة بالإبقاء على غزة في واقع "لا تحيا ولا تموت"، والاكتفاء بجعل "رؤوس الفلسطينيين فوق الماء دون غرق".

اللافت أن العدوان حصل بعد ساعات قليلة فقط على إعلان السفير القطري محمد العمادي عقب لقائه مع قيادة حماس بغزة عن مشاريع إنسانية بقيمة 16 مليون دولار، وحديث إسرائيلي عن زيارة سرية لرئيس جهاز الموساد إلى الدوحة لطلب تمديد منحتها المالية لغزة حتى نهاية 2020.

تطور آخر تزامن مع هذا العدوان تمثل بالهدوء الهش الذي تعيشه غزة بين حين وآخر، فالوضع الأمني فيها لا يعيش أفضل أحواله، فقد عانت 13 جولة تصعيد إسرائيلية، تراوحت بين عدة ساعات إلى عدة أيام، وتخللها سقوط شهداء فلسطينيين وقتلى إسرائيليين، وفي العديد من الجولات كاد ينفرط عقد هذا الهدوء باتجاه حرب إسرائيلية رابعة على غزة، لولا تدخّل الوسطاء في اللحظات الأخيرة.

ولذلك جاء العدوان الحالي استمراراً لهذه الجولات العدوانية الإسرائيلية، وقد رافقه اتصالات مكثفة خلال ساعاته الأولى، لضمان عدم انزلاقه لمواجهة عسكرية شاملة.

إسرائيلياً، يمكن قراءة جملة من التطورات الأمنية والسياسية التي صاحبت العدوان على غزة، أهمها الانتخابات الوشيكة بعد أيام قليلة، فقد جرت العادة أن تجري كل جولة انتخابية على وقع الدماء الفلسطينية، وهو ما أثبتته التجارب في معظم الجولات.

ولمّا كانت إسرائيل تعيش أزمة سياسية غير مسبوقة، تتمثل بتوجيه لائحة اتهام لرئيس حكومتها نتنياهو ، واقتراب محاكمته، فقد دفع ذلك الفلسطينيين لأن يتداولون بنقاشاتهم السياسية فرضيات عديدة، بينها أن تصدّر إسرائيل، أزمتها الداخلية المستعصية للخارج، وبالتالي فإن جبهة غزة هي الأقل تكلفة مقارنة بالجبهات الأُخرى.

ولذلك يمكن القول بكثير من الثقة أن هذا العدوان، من غزة إلى دمشق، جاء خدمة للمصالح الحزبية والسياسية التي حرّكت نتنياهو، الذي يواجه جملة سيناريوهات صعبة وخطرة على صعيد مستقبله السياسي.

جاء لافتا في العدوان الإسرائيلي الجديد، العودة مجددا للاغتيالات، فقد كان آخر اغتيال نفّذته إسرائيل في غزة في نوفمبر 2019 حين قتلت بهاء أبو العطا القائد العسكري للجهاد الإسلامي، مما تسبب حينها باندلاع مواجهة قصيرة امتدت عدة أيام، غير أن العودة للاغتيالات بأوقات الهدوء يشكّل نقطة تحول في السلوك الإسرائيلي تجاه المقاومة الفلسطينية، داخل غزة وخارجها.

صحيح أن كثيراً من التحذيرات والتهديدات وصلت القادة العسكريين الفلسطينيين في القطاع، إلّا إن التهديد شيء، وتنفيذه على الأرض شيء آخر، لأن تبعات الاغتيال قد تكون خطرة وغير محتملة من طرف صانع القرار الإسرائيلي، في توقيت انتخابي حساس.

تطور لافت آخر ترافق مع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، تمثل ببدء إرسال إسرائيل جملة رسائل لمختلف التنظيمات الفلسطينية في غزة، فحواها أن المواجهة محصورة مع الجهاد الإسلامي، مما يعني ضمنياً ألّا تتدخل سائر الفصائل فيها.

ومع أن إسرائيل لجأت لمثل هذا الأسلوب للمرة الأولى في المواجهة السابقة بغزة عقب اغتيال أبو العطا، لكنها قبل ذلك دأبت على التعامل مع فصائل المقاومة بشكل إجمالي، وبمنطق واحد، واستهدفتها جميعاً دون استثناء؛ صحيح أن معظم تلك الجولات استهدفت حماس ومواقعها وكوادرها بصورة مركزة، لكنها لم تستثنِ أياً من التنظيمات الأُخرى.

في هذا العدوان جاء السلوك الإسرائيلي مختلفاً، رغبة بالاستفراد بالجهاد الإسلامي وحدها من جهة، وتحييد سائر التنظيمات من جهة أُخرى، وخصوصاً حماس، وفق مبدأ "فرّق تسد".

لا يحتاج أحدنا لكثير من الذكاء لمعرفة خلفيات وأسباب لجوء إسرائيل لهذه الوسيلة اللافتة، فالقرار الإسرائيلي لا يفضل الانجرار لمواجهة ضارية تستمر أياماً، وتتوسع رقعة عملياتها، مع أنه فور الرد الذي قامت به الجهاد الإسلامي، كثفت إسرائيل من وساطاتها، ولا سيما المصرية والأممية منها، حتى يتم التوصل لقرار بوقف إطلاق النار، ارتكازاً على تفاهمات سادت غزة قبل اندلاعه.

لم يعد سراً أن إسرائيل تسعى لإعادة السيناريو نفسه الذي تعاملت وفقه مع السلطة الفلسطينية قبل قطيعتهما منذ خمسة أعوام، بتحميلها المسؤولية عن أي توتر، فدأب طيرانها منذ فرضت حماس سيطرتها على غزة أواسط 2007، على استهداف مواقعها العسكرية كلما سقط صاروخ، لأنها تعتقد أن حماس هي "رب البيت"، وبالتالي فهي مسؤولة عن أي عمل يخرج من القطاع، رضيت عنه أم عارضته.

لكن إسرائيل هذه المرة أجرت تحولاً واضحاً في سياستها تجاه حماس، إذ اقتصرت استهدافاتها على مواقع الجهاد الإسلامي التي تصدرت المواجهة معها، وكان ذلك بهدف تحييد حماس، وإرسال رسائل فحواها أن إسرائيل قد تستأنف تطبيق التفاهمات الإنسانية المتفق عليها معها، إن واصلت عدم الانخراط بهذه المواجهة.

من الأهمية بمكان القول أن الميدان في غزة تأثر نسبياً بهذه السياسة الإسرائيلية خلال الجولة السابقة في نوفمبر، وظهرت حالة من التباين الذي لا تخطئه العين بين الحركتين، حماس والجهاد، بسبب عدم توافقهما بشأن طبيعة الرد على اغتيال أبو العطا، وهو رد مشروع ومنطقي بالحد الأدنى.

فور وقف إطلاق النار استدركت الحركتان المتحالفتان هذا التباين وسط إجراء اتصالات عالية المستوى بين قيادتَيهما السياسية والعسكرية، وصدرت مواقف تنسيقية واضحة تقول لإسرائيل إن سياسة الاستفراد بالجهاد وتحييد حماس، قد انكشفت، ولم يعد ممكناً التعويل عليه.

صحيح أن المواجهة العسكرية الجارية في هذه الساعات، اقتصرت على الجهاد الإسلامي، إلّا إن ردة الفعل الإسرائيلية يمكن وصفها بـ"الهستيرية" من جهة إجراءات الاحتياطات الأمنية والتعليمات الموجهة للإسرائيليين باللجوء للملاجئ والغرف المحصنة، خشية استهدافهم، مما قد ينجم عنه سقوط قتلى وجرحى.

صحيح أن قيادة الجبهة الداخلية مسؤولة عن الحفاظ على أرواح الإسرائيليين، إلّا إن التشدد في هذه الإجراءات، والصرامة في فرض إغلاق شبه كامل على جنوب إسرائيل، أسفرا عن ردات فعل إسرائيلية غاضبة، ومنح الفلسطينيين صورة انتصار، خصوصاً وهم يرون أن جنوب إسرائيل الذي لا ينام، قد أصيب بالشلل التام، وبدت شوارعه خالية من المارة، وأصبحت مطاعمه وفنادقه مهجورة لا يسكنها إلّا الأشباح، مما طرح تساؤلاً لدى الإسرائيليين: كيف يحدث ذلك بسبب إطلاق "تنظيم صغير" عشرات الصواريخ البسيطة من غزة؟

يزداد السؤال الإسرائيلي خطورة وإحراجاً: ماذا لو انضمت حماس لهذه المواجهة، فكيف كان سيبدو المشهد الميداني في إسرائيل كلها، ولماذا تظهر إسرائيل بهذه الحالة من انكشاف جبهتها الداخلية، وهي المزودة بأنظمة القبّة الحديدية وحيتس ومعطف الريح، وجميعها تُنفق عليها إسرائيل مليارات الدولارات لتأمين نفسها من الصواريخ المتعددة المديات؟

أخيراً، لا أحد يعلم متى سوف تنتهي الجولة العدوانية الإسرائيلية الحالية، وسط كثير من الاستخلاصات والنتائج، ربما يكون أهمها وجود حالة من التوافق اللافت بين الفلسطينيين والإسرائيليين على عدم التشجع على الذهاب إلى حرب جديدة رابعة في غزة، كل طرف لاعتباراته الخاصة، مما يرجح استمرار الوضع الراهن في غزة على هذا المنوال: تصعيد لساعات وربما لأيام قليلة، ثم وساطات تعلن وقف إطلاق النار، والعودة إلى الهدوء الهش ذاته الذي يعمّ القطاع منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الثالثة في صيف سنة 2014.

كل ذلك يتم عشية انتخابات الأيام المقبلة، وبعدها سيكون لكل حادث حديث، إما تسوية بعيدة المدى في غزة، أو عملية عسكرية واسعة تقترب من صورة الحرب غير المرغوبة، لكنها ستكون آنذاك حرب اللاخيار!