19°القدس
19°رام الله
18°الخليل
23°غزة
19° القدس
رام الله19°
الخليل18°
غزة23°
الثلاثاء 14 يوليو 2020
4.34جنيه إسترليني
4.97دينار أردني
0.22جنيه مصري
3.8يورو
3.52دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.34
دينار أردني4.97
جنيه مصري0.22
يورو3.8
دولار أمريكي3.52
وليد الهودلي

وليد الهودلي

الأسير الشهيد نور البرغوثي وحجم الألم؟!

لا يمكن تقدير حجم الألم الذي يصاحب أسيرًا قد أطلق سراحه ولكنه بدل أن يخرج سائرًا على قدميه، مرفوع الرأس، مشيرًا بيده بعلامة النصر، إذا به يخرج ممدَّدًا على نعش، مرفوعًا على أكتاف الرجال، يخرج جسدًا وروحه في أعالي السماء عند بارئها، كم رسمت له أمه من صور في مخيلتها، صورة عندما يطلُّ من بوابتهم المشؤومة وقد تخلَّص من كلِّ ظلالهم السوداء، صورة وهو يركض نحوها والفرح يشعُّ من وجهه، وصورة لها وهي تلهث راكضة لعناقه المجنون، وصورة وهو غارق في حضنها وهي غارقة في ثنايا روحه المعذَّبة والمحرَّرة من جحيمهم، ثم صورة وهو يعانق محبيه الواحد تلو الآخر، وصورة وهي تأخذ بيده كطفل مدلَّل قد فقد أُمَّه ثم عاد إليها بكل ما يحمل من لهفة وحب وحنين، يعودان للبيت حيث أعدَّت في البيت له ما يشبع شوقها الذي لا نهاية له، إلى أن تصل إلى الصورة وهي ترشِّح له شريكة حياته الجميلة، آلاف الصور الجميلة بل قل ملايين الصور قد دخلت مخيلتها على مدار ست سنوات في سجونهم اللعينة.

نور البرغوثي أمضى من حبسته التي قوامها ثماني سنوات ستًّا، المسافة المتبقية بين أمه وبين إسقاط ملايين الصور التي رسمتها من مخيلتها إلى أرض الواقع سنتان، وفي هذه المسافة ستستمر في رسم الصور وبكل أشكالها الزاهية والجميلة، الصورة الوحيدة التي لم ترسمها هي الصورة التي صارت حقيقة وخرج فيها نور مسجًّى لا حراك فيه ولا نفس ولا يد تلوِّح بشارة النصر على السجَّان والاحتلال وخروجه مرفوع الهامة، مشرق الوجه بنضارة وألق لا مثيل له.

يا لقلب الأم كيف يتسع لكل هذا الحجم من الألم، كيف لا ينفجر وكيف لا تضرب شظاياه كل أصحاب القلوب القاسية، كيف يتحمَّل قلب السجَّان وكيف ينظر المحتلُّ في المرآة ليرى وجه الإجرام البشري كلِّه وقد تجسَّد في وجهه، كيف يتعايش مع بشريته وفي صدره قد تجمعت قلوب الذئاب الشرسة بكلِّ ألوانها وأنواعها؟

الأم والأب والأخوات والإخوة نزل عليهم الخبر كالصاعقة، هربت ملايين الصور تلك التي خزَّنوها للإفراج الجميل، وقفت أمامهم هذه الصورة شاخصة تصرُّ على البقاء وتفرض نفسها بقوَّة المحتلِّ اللئيم عندما يأتي بأبشع صورة له، ضجَّت صدورهم بالحزن تارة وبالغضب تارة أخرى، لماذا يصل الإجرام إلى هذه الدرجة المريعة؟ هكذا بدم بارد يتحوَّل المشهد، هكذا تهرب الصور الجميلة وتأتي صورة الموت، صورة القهر، صورة الانتقام التي تفوق تصوُّر البشر، كيف أوصلوه إلى الموت وقطعوا عليه طريق حريته، كيف تفنَّنوا في صناعة الموت بقنبلة كبيرة ألقوها عليه هكذا دفعة واحدة؟

ونأتي لنتحدَّث كثيرًا عن: من يتحمَّل المسؤولية؟ سؤال ساذج أمام جريمة بهذا الحجم! أيكفي لعدم تكرار هذه الجريمة بيانات الشجب والاستنكار أو المطالبة بالإدانة لهذا الفعل، من يطالب من؟ نطالب المجتمع الدولي ليخفِّف عن قلب الأمِّ آلامه وأثقال أحزانه؟ أو أن ينتفض وينحاز إلى الألم ويكفَّ أذى ذاك العُتلِّ الزنيم المارد المستكبر الجبَّار؟ نطالب من لا يملك إرادة العدالة أو من يملك ولكنهم حشروه تحت سقف ضيِّق هو سقف قلوبهم القاسية.

لن أطالب الأمم المتحدة ولا مؤسسات حقوق الإنسان ولا الضمير العالمي الذي شيَّع ضميره منذ وقت طويل، ولا داعي أن نطالب أصلًا لأن الذي يعرف واجبه لا ينتظر الآخرين حتى يطلبوه منه، ولأنه "لا يحرث الأرض إلا عجولها" كما قالوا قديمًا، ولا يلجم الاحتلال إلا ما هو معروف للقاصي والداني.